![]()
حكيم العرب وفتى مكة..
حين قرأ أكثم بن صيفي في وجه النبي ما لم يستطع إخفاءه
حكيم العرب وفتى مكة..
حين قرأ أكثم بن صيفي في وجه النبي ما لم يستطع إخفاءه
كانت الكعبة المشرفة تستقبل طائفيها كما اعتادت منذ الأزل، والبيت يدور حوله الناس كما تدور الأفلاك حول مركزها الثابت، حين مرّ أبو طالب بابن أخيه الصغير محمداً، وكان الفتى قد بلغ من العمر نحو أربع عشرة سنة، يملأ المكان بحضوره الساكن ووقاره الباكر الذي لا يألفه أبناء سنّه. وقد كان لتلك السنوات المبكرة من حياته صلى الله عليه وسلم وقع خاص في نفوس من احتكّوا به، كأن الفطرة السليمة كانت تستشعر فيه ما لا تستطيع اللسان صياغته.
في تلك اللحظة، اعترضهما أكثم بن صيفي التميمي، وكان رجلاً ممن تؤمّ العرب بيوتهم لتستشيرهم في الملمات، وتستمطر من رأيهم ما لا تجده في سواهم. كان أكثم حكيم العرب بلا منازع، صاحب كلمة تُتداول في الأسواق وتُروى في المجالس، وقد طعن في السن حتى غدا وجهه سجلاً لعمر طويل من التأمل والخبرة. فلمّا وقع بصره على الفتى، لاحظ ما جعله يتوقف طويلاً ويُحدّق، ثم ابتدأ أبا طالب بملاحظة بسيطة تنطوي على دهشة خفيّة: ما أسرع ما شبّ أخوك يا أبا طالب! فأوضح أبو طالب أنه ابن أخيه عبد الله لا أخوه. فما كان من أكثم إلا أن سأل بنبرة من يتحقق من أمر لا يريد أن يُخطئ فيه: ابن الذبيح؟ وحين أكد أبو طالب ذلك، أخذ الحكيم يُحلّق ببصره في وجه الفتى، يقرأ ما أودعه الله فيه من آيات لا تدرك بالعقل وحده.
شهادة رجل لم يُعلّمه إياها أحد
بدأ أكثم يستجلي أبا طالب عن حال ابن أخيه، كأنه يريد أن يتأكد أن ما يراه ليس وهماً نسجه خياله. وكان أبو طالب يُجيبه في كل مرة بما يعرفه عنه من الخُلق والهِبة، فيصفه بالحياء والجزل والسخاء والوفاء، ثم يُعدّد فيه الشدة والليونة معاً والمجلس الرزين والفضل الظاهر، حتى ذكر ما هو أعمق من ذلك كله حين قال: إنا لنتيمّن بمشهده ونلتمس البركة فيما لمسته يده. وفي كل مرة يُتمّ أبو طالب كلامه، يعود أكثم يسأل: أفغير ذلك؟ كأنه يعلم أن في هذا الفتى ما لم يبلغه الوصف بعد.
وحين تيقّن أكثم أن أبا طالب قد استنفد ما في جعبته، أعلن أن لديه ما يختلف عمّا قيل. فأذن له أبو طالب بالكلام قائلاً في تعبير يفيض بالإجلال: قل يا حكيم العرب، فإنك نفّاث غيب وجلّاء ريب. عندها انطلق أكثم بكلام لم يكن رأياً ولا تحليلاً، بل كان أقرب إلى ما تجري به الألسنة حين تسبق العقل إلى حقيقة يرفض القلب إخفاءها: ما خُلق لهذا ابن أخيك إلا أن يضرب العرب قاطبةً بيدٍ خابطة ورجلٍ لابطة، ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع وورد شريع، فمن اهرورق إليه هداه، ومن اهرورق عنه أرداه. كلام يحمل في طيّاته صورة النبي القادم الذي سيهزّ أمة بكاملها ويُعيد رسم ملامح العالم المعروف، ويجعل الانحياز له أو الإعراض عنه فاصلاً بين الهداية والردى.
العودة إلى أبنائه وإيصاء تجاوز القبيلة
لم يُمسك أكثم بما رآه وسمعه لنفسه، بل عاد إلى أبنائه يحمل في صدره ما يشبه الأمانة. قصّ عليهم تفاصيل اللقاء، وشرح لهم ما دار بينه وبين أبي طالب، وما استقر عليه حكمه في ذلك الفتى. ثم أعلنها صريحة، لا تحتمل التأويل: والله إنه لنبيٌّ. ثم أردف بوصية تعكس عمق إيمانه بما قال: إن خرج وأنا فيكم فإني ناصره، وإن خرج بعد وفاتي فعليكم باتباعه والمثول لأمره. لم تكن تلك وصية قبلي يُودع بها شيخٌ أبناءه قبل الرحيل، بل كانت إيصاء يتجاوز حدود الزمن والدم والقبيلة، صادراً من رجل آمن بشيء ولم يُتَح له أن يُعلنه بين الناس في حياته.
الطريق إلى المدينة ونهاية المهاجر قبل أن يصل
حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم وانتشر نبأ الرسالة في الجزيرة، تذكّر أكثم ما قاله ذات يوم أمام أبنائه في حضرة القناعة والإيمان، فحثّ أبناءه على الرحيل إلى المدينة ليلتقي بالنبي الذي تنبّأ بنبوّته منذ كان فتىً يطوف بالبيت. وخرج الشيخ الكبير قاطعاً المسافات، يحمل في جسده ثقل السنين وفي قلبه خفة المؤمن المستعجل، حتى إذا كانت المدينة قريبة أدركه الأجل في الطريق.
وحين أرادوا التوقف لدفنه، أبى عليهم إباءً فيه من العظمة ما يُبكي وما يُدهش في آن، وقال لأبنائه: دعوني وانصرفوا، فالحقوا برسول الله. وحين أصرّ أحدهم على البقاء حتى الدفن، قال الشيخ في هدوء من بلغ القناعة منتهاها: لا، ابلغوا رسول الله مني السلام ودعوا جسدي للطير أو للدود، فإنهما يستويان.
لم يكن في كلامه مبالغة ولا تصنّع، بل كان إعلاناً بأن الوصول إلى رسول الله أعظم في نفسه من الاحتفاء بجسد صائر إلى التراب على أي حال.
فلما وصل أبناؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بادرهم قائلاً: الآن دفنتم أباكم، كلمة لا تحتاج إلى شرح، فيها اعتراف بأن الرجل وصل وإن لم تطأ قدماه المدينة، وفيها تكريم لمن مات في الطريق إلى الله ورسوله لا في فراشه. وقيل إن الآية الكريمة نزلت في حقه: ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفوراً رحيماً.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو طالب, أكثم بن صيفي التميمي, الكعبة المشرفة, النبي صلى الله عليه وسلم, عبد الله بن عبد المطلب



