«خير الأسماء ما حُمِّد وعُبِّد»..

مقولة مشهورة لا تثبت حديثا

«خير الأسماء ما حُمِّد وما عُبِّد» من أكثر العبارات تداولا عند الحديث عن تسمية المواليد، حيث يستشهد بها كثير من الناس عند اختيار أسماء أبنائهم وبناتهم...
«خير الأسماء ما حُمِّد وعُبِّد»..

«خير الأسماء ما حُمِّد وعُبِّد»..

مقولة مشهورة لا تثبت حديثا

«خير الأسماء ما حُمِّد وما عُبِّد» من أكثر العبارات تداولا عند الحديث عن تسمية المواليد، حيث يستشهد بها كثير من الناس عند اختيار أسماء أبنائهم وبناتهم، ويظن عدد كبير منهم أنها حديث نبوي شريف ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب أصبحت المقولة متداولة في الكتب والمقالات والمجالس العائلية ووسائل التواصل الاجتماعي على أنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

غير أن علماء الحديث الذين عنوا بتمحيص الروايات وبيان صحيحها من ضعيفها أكدوا أن هذه العبارة لا تثبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترد في كتب السنة المعتمدة بسند صحيح يمكن الاحتجاج به.

موقف علماء الحديث من هذه الرواية

بحث المحدثون في مصادر السنة النبوية عن أصل لهذه العبارة، فلم يجدوا لها سندا صحيحا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أدرجها عدد من العلماء ضمن الأقوال المشتهرة على ألسنة الناس التي لا تثبت حديثا.

وقد نبه علماء التخريج إلى أن شهرة العبارة بين الناس لا تعني صحتها، فكم من أقوال انتشرت عبر القرون وظنها الناس أحاديث نبوية، بينما هي في الحقيقة حكم أو عبارات جرى تداولها دون دليل صحيح على نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا فإن الأمانة العلمية تقتضي عند ذكر هذه المقولة ألا تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على أنها حديث، بل يقال إنها عبارة مشهورة أو حكمة متداولة بين الناس.

لماذا انتشرت هذه المقولة؟

يرجع انتشار هذه العبارة إلى أن مضمونها يتفق مع عدد من النصوص الشرعية الصحيحة التي تحث على اختيار الأسماء الحسنة. فقد وجد الناس أن أسماء مثل محمد وأحمد ومحمود من الأسماء المحمودة، وأن أسماء عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم وغيرها من الأسماء المضافة إلى أسماء الله الحسنى تحمل معاني جميلة، فارتبط ذلك في أذهانهم بهذه العبارة حتى شاع الاعتقاد بأنها حديث نبوي.

كما ساهم تداولها في بعض المؤلفات غير المتخصصة وفي المجالس العامة في زيادة انتشارها دون التحقق من مصدرها أو درجة صحتها.

الأحاديث الصحيحة في أفضل الأسماء

على الرغم من أن مقولة «خير الأسماء ما حمد وما عبد» لا تثبت حديثًا، فإن السنة النبوية قد اشتملت على نصوص صحيحة تبين بعض الأسماء المحببة في الإسلام.

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، وهو حديث صحيح رواه الإمام مسلم. ويُستفاد من هذا الحديث فضل الأسماء التي تتضمن التعبيد لله تعالى.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الأسماء الحسنة ويغير بعض الأسماء التي تحمل معاني غير مناسبة أو قبيحة إلى أسماء أجمل وأحسن معنى.

معنى الأسماء المحمَّدة والأسماء المعبَّدة

يقصد بالأسماء المحمَّدة الأسماء المشتقة من الحمد والثناء، مثل محمد وأحمد ومحمود وحامد، وقد لاقت هذه الأسماء قبولا واسعا بين المسلمين لما تحمله من معانٍ طيبة، ولارتباط بعضها باسم النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الأسماء المعبدة فهي الأسماء التي تبدأ بلفظ «عبد» مضافا إلى اسم من أسماء الله الحسنى، مثل عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم وعبد العزيز، وتتميز هذه الأسماء بإظهار العبودية لله تعالى، وهو أعظم شرف للإنسان.

ولهذا وجد العلماء أن مضمون المقولة المتداولة يتوافق في الجملة مع معان شرعية صحيحة، لكن ذلك لا يكفي للحكم بأنها حديث نبوي.

خطورة نسبة الأقوال إلى النبي دون تثبت

من القضايا المهمة التي ينبغي التنبه لها أن نسبة أي قول إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى دليل صحيح. فليس كل ما يُتداول بين الناس يعد حديثا، وليس كل ما يحمل معنى حسنا يجوز نسبته إلى الرسول الكريم.

وقد شدد العلماء على ضرورة التثبت من الأحاديث قبل نشرها أو الاستشهاد بها، خاصة مع سهولة تداول المعلومات في العصر الحديث. فالمسلم مأمور بالتحري والدقة، حفاظا على السنة النبوية من أن ينسب إليها ما ليس منها.

اختيار الاسم الحسن مسؤولية شرعية

اهتم الإسلام باختيار الأسماء الحسنة للأبناء، لأن الاسم يلازم الإنسان طوال حياته ويؤثر في صورته بين الناس، ولذلك استحب العلماء اختيار الأسماء ذات المعاني الطيبة والبعيدة عن القبح أو المخالفة الشرعية.

ومن أفضل الأسماء ما دل عليه الحديث الصحيح من أسماء التعبيد لله تعالى، كما يستحب اختيار الأسماء الحسنة التي تحمل معاني الخير والفضيلة، أما مقولة «خير الأسماء ما حمد وما عبد» فمع أنها اشتهرت بين الناس وتوافقها معان حسنة، فإنها لا تعرف حديثا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الواجب بيان ذلك حفاظا على دقة النقل وصيانة للسنة النبوية الشريفة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك