![]()
المشي المعتدل
عنوان الوقار وجمال الهيئة في حياة المسلم
لا يقتصر المشي على كونه وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر فقط، بل يعد من السلوكيات التي تعكس أخلاق الإنسان وشخصيته وتربيته، وقد أولى الإسلام اهتماما كبيرا بهيئة المسلم في حركته وسكونه، وجعل الاعتدال سمة بارزة في جميع شؤونه، ومن ذلك طريقة المشي، فالمشي المعتدل يمنح صاحبه وقارا واحتراما، ويظهر اتزانه النفسي والأخلاقي، بينما قد تدل المبالغة في السرعة أو التبختر أو التماوت في المشي على صفات مذمومة لا تليق بالمؤمن.
وقد حرص القرآن الكريم والسنة النبوية على توجيه المسلمين إلى أفضل الهيئات وأكملها، بما يحقق التوازن بين النشاط والحيوية من جهة، والسكينة والوقار من جهة أخرى.
وصية لقمان لابنه في الاعتدال بالمشي
من أبلغ ما ورد في القرآن الكريم بشأن هيئة المشي ما جاء في وصايا لقمان الحكيم لابنه، حيث قال الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي كن معتدلًا في مشيتك، فلا تسرع سرعة تذهب بالوقار، ولا تتباطأ تباطؤا يدل على الكسل أو التكبر المصطنع، فالقصد هو التوسط والاعتدال، وهو منهج الإسلام في جميع شؤون الحياة.
وقد فهم العلماء من هذه الآية أن المسلم مطالب بأن تكون حركاته وتصرفاته متزنة، بعيدة عن الإفراط والتفريط، وأن يظهر في مشيته هدوء النفس ورجاحة العقل وحسن الأدب.
القرآن الكريم ينهى عن التكبر والتبختر
جاءت آيات أخرى تؤكد هذا المعنى وتنهى عن المشي المصحوب بالغرور والتعالي على الناس، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37].
فالمرح هو التبختر والتكبر وإظهار العظمة أمام الآخرين، وقد بينت الآية أن الإنسان مهما بلغ من قوة أو مكانة فإنه يبقى عبدا ضعيفا، فلا يليق به أن يمشي متعاليا أو متكبرا.
كما وصف الله تعالى عباده الصالحين بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون تكبر أو خيلاء، ودون ضعف أو مذلة.
أثر المشي المعتدل في المحافظة على الوقار
الوقار من الصفات المحمودة التي تجعل صاحبها محل احترام وتقدير بين الناس، ومن أبرز مظاهر الوقار الاعتدال في المشي؛ لأن الهيئة الخارجية تعطي انطباعا أوليا عن شخصية الإنسان.
فالشخص الذي يسير بخطوات متزنة وواثقة يترك أثرًا إيجابيا في نفوس من حوله، ويظهر بمظهر الجاد المسؤول، أما من يبالغ في التبختر أو الإسراع الشديد أو الحركات غير المنضبطة فقد يفقد شيئا من هيبته واحترام الناس له.
ولهذا كان العلماء وأهل الفضل عبر التاريخ معروفين بالسكينة والاتزان في مشيتهم، اقتداء بتوجيهات القرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
المشي المعتدل وعلاقته بالمظهر العام
لا يقتصر أثر المشي المعتدل على الجانب الأخلاقي فقط، بل يمتد إلى المظهر العام للإنسان، فاعتدال الخطوات يساعد على إظهار الجسم بصورة متوازنة، ويعكس الثقة بالنفس والانضباط، كما يبرز جمال الهيئة وحسن السمت.
كذلك فإن المشي الهادئ المنتظم يجنب الإنسان كثيرا من الحركات العشوائية التي قد تشوه مظهره أمام الآخرين، ويمنحه حضورا مميزا يجمع بين التواضع والهيبة.
وقد أدركت المجتمعات قديما وحديثا أهمية لغة الجسد في التعبير عن الشخصية، ومن أهم عناصر هذه اللغة طريقة المشي التي تكشف كثيرا من الصفات النفسية والسلوكية.
فوائد صحية ونفسية للمشي المتزن
إلى جانب ما يحققه المشي المعتدل من وقار وجمال في الهيئة، فإنه يعود بفوائد صحية عديدة، إذ يساعد على تنشيط الدورة الدموية، وتحسين اللياقة البدنية، وتقوية العضلات والمفاصل، والمحافظة على صحة القلب.
كما يسهم في تحسين الحالة النفسية وتقليل التوتر والقلق، ويمنح الإنسان شعورا بالراحة والاتزان، وعندما يجتمع الأثر الصحي مع الأثر الأخلاقي والسلوكي يصبح المشي المعتدل سلوكا متكاملا يحقق الخير للإنسان في دنياه وآخرته.
الاعتدال منهج إسلامي شامل
إن توجيه القرآن الكريم إلى الاعتدال في المشي ليس مجرد توجيه يتعلق بالحركة الظاهرة، بل هو جزء من منهج إسلامي متكامل يقوم على الوسطية والتوازن في الأقوال والأفعال، فالمسلم مأمور بأن يكون معتدلا في عبادته، ومعاملاته، وإنفاقه، وحتى في طريقة مشيه.
ومن يتأمل وصية لقمان لابنه يدرك أن الإسلام يربي أتباعه على حسن السمت وجمال الهيئة وتهذيب السلوك، حتى يكون المسلم قدوة في أخلاقه وتصرفاته، ولذلك يبقى المشي المعتدل علامة من علامات الوقار والرقي، ودليلا على حسن التربية وكمال الأدب، وتجسيدا عمليا لتعاليم القرآن الكريم في حياة الإنسان اليومية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التكبر, السيرة النبوية, القرآن الكريم, المشي, الوقار, لقمان, هيئة المسلم



