![]()
«وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا».. قصة السر الذي كشفه الله
«وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا».. قصة السر الذي كشفه الله
وردت في سورة التحريم آيات تتناول موقفا وقع في بيت النبي محمد ﷺ، وفيه من الدروس التربوية والإيمانية ما يتجاوز خصوصية الحدث إلى توجيه المسلمين في حفظ الأسرار، وصيانة الحياة الزوجية، والتحلي بالحكمة عند معالجة الأخطاء. ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: 3].
وقد ذكر المفسرون روايات في سبب نزول هذه الآية، أشهرها ما يتعلق بقصة تحريم النبي ﷺ العسل على نفسه، كما وردت رواية أخرى تتعلق بمارية القبطية، غير أن قصة العسل ثابتة في الصحيحين، ولذلك اعتمدها كثير من أهل العلم في تفسير سياق الآيات.
قصة العسل وسبب نزول الآيات
ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، وكان يمكث عند زينب بنت جحش رضي الله عنها ويشرب عندها عسلا، فتوافقت عائشة وحفصة رضي الله عنهما على أن تقول أيتهما دخل عليها النبي ﷺ إنها تجد منه رائحة «مغافير»، وهي مادة لها رائحة غير مستحبة.
فلما قيل ذلك للنبي ﷺ، أخبر أنه شرب عسلا عند زينب بنت جحش، ثم قال إنه لن يعود إلى شربه، وجاءت الآيات في مطلع سورة التحريم تعاتب النبي ﷺ برفق، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ويكشف هذا السياق عن طبيعة الحياة البشرية داخل بيت النبوة، وما قد يقع فيها من غيرة بين الزوجات، مع بقاء مكانتهن العظيمة بوصفهن أمهات المؤمنين.
ما الحديث الذي أسرَّه النبي ﷺ؟
تشير الآية إلى أن النبي ﷺ أسرَّ إلى بعض أزواجه حديثا، والمقصود بها حفصة رضي الله عنها على قول جمهور المفسرين. وقد اختلف العلماء في تحديد مضمون السر تبعا لاختلاف الروايات الواردة في سبب النزول.
وعلى رواية قصة العسل، كان الحديث متعلقًا بما وقع من تحريم النبي ﷺ العسل على نفسه، وطلبه كتمان الأمر، إلا أن حفصة رضي الله عنها أخبرت عائشة رضي الله عنها بما أسرَّه إليها النبي ﷺ.
فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على إفشاء السر، فجاء قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، أي: لما أخبرت الزوجة غيرها بما استُكتمت عليه، أعلم الله نبيه ﷺ بما حدث.
«عرَّف بعضه وأعرض عن بعض»
من أبلغ ما تكشف عنه الآية أخلاق النبي ﷺ في التعامل مع الخطأ، فقد قال تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾. أي إنه أخبر زوجته ببعض ما علم أنه نُقل من السر، ولم يواجهها بكل التفاصيل.
وهذا الموقف يحمل معنى تربويا عظيما؛ فليس من الحكمة دائما استقصاء كل خطأ ومحاسبة الإنسان على كل صغيرة وكبيرة، وقد يكون التغافل عن بعض الأمور أقرب إلى إصلاح النفوس وحفظ المودة.
فالنبي ﷺ، مع علمه بما حدث، لم يجعل المواجهة وسيلة للتوبيخ والإحراج، وإنما ذكر بعض الأمر وأعرض عن بعضه، في صورة من صور الحلم وحسن المعاشرة.
«من أنبأك هذا؟»
عندما أخبر النبي ﷺ زوجته ببعض ما وقع، تعجبت وسألته: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا﴾، لأنها كانت تظن أن الحديث بقي بينها وبين من أخبرتها به.
فجاء الجواب: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، أي إن الله تعالى، الذي لا تخفى عليه خافية، هو الذي أعلم نبيه ﷺ بما جرى.
واختيار الاسمين الكريمين «العليم الخبير» يحمل دلالة عميقة؛ فالله عليم بكل شيء، خبير بما تخفيه الصدور وما يجري في السر والعلن، ولا يغيب عن علمه حديث أو فعل.
دروس في حفظ الأسرار والحياة الزوجية
تؤكد الآية أهمية حفظ الأسرار، ولا سيما الأسرار الزوجية والأسرية. فالثقة من أهم الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، وإفشاء ما يُطلب كتمانه قد يؤدي إلى اضطراب العلاقات وإثارة الخلافات.
كما تعلمنا الآية أن البيوت، حتى أفضل البيوت، قد تشهد مواقف تحتاج إلى معالجة وحكمة. وليس نجاح الحياة الزوجية في غياب المشكلات تمامًا، وإنما في القدرة على التعامل معها بالرفق والعدل والتغافل عن بعض الهفوات.
ومن دروس الآية كذلك أن الغيرة شعور بشري قد يقع، لكنها تحتاج إلى ضبط حتى لا تؤدي إلى تصرفات غير مناسبة، وأن الاعتراف بالخطأ والعودة إلى الصواب من أخلاق المؤمنين.
القرآن يربي من خلال أحداث الحياة
لم يكن ذكر هذا الحدث في القرآن لمجرد سرد واقعة أسرية، وإنما ليقدم منهجًا تربويًا خالدًا. فالآية تعلم المسلمين حفظ الأمانة، وصيانة الأسرار، والحكمة في مواجهة الأخطاء، وعدم تتبع الزلات كلها.
وهكذا تكشف قصة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ عن جانب من الحكمة النبوية في إدارة المواقف الأسرية، وتؤكد أن الرفق والتغافل وحفظ الأسرار من أهم القيم التي تحمي العلاقات وتبني البيوت على الثقة والمودة والرحمة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | السيدة حفصة, السيدة عائشة, القرآن الكريم, النبي صلى الله عليه وسلم, زينب بنت جحش, سورة التحريم, مارية القبطية



