«كما تكونوا يُولَّى عليكم»..

ليست حديثا نبويا وإن كان معناها قد تؤيده نصوص شرعية

يتداول كثير من الناس عبارة: "كما تكونوا يُولَّى عليكم" على أنها حديث نبوي شريف، ويستشهدون بها عند الحديث عن علاقة صلاح المجتمعات بمن يتولى قيادتها، وقد أصبحت هذه العبارة متداولة في الخطب...
«كما تكونوا يُولَّى عليكم»..

«كما تكونوا يُولَّى عليكم»..

ليست حديثا نبويا وإن كان معناها قد تؤيده نصوص شرعية

يتداول كثير من الناس عبارة: “كما تكونوا يُولَّى عليكم” على أنها حديث نبوي شريف، ويستشهدون بها عند الحديث عن علاقة صلاح المجتمعات بمن يتولى قيادتها، وقد أصبحت هذه العبارة متداولة في الخطب، والمواعظ، ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى ظن كثيرون أنها ثابتة عن رسول الله ﷺ.

إلا أن علماء الحديث أكدوا أن هذه العبارة لا تصح حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولم يثبت لها إسناد صحيح، بل عدَّها عدد من أهل العلم من الأقوال التي لا أصل لها مرفوعة، وإن كان معناها في الجملة قد تؤيده نصوص شرعية وآثار عن السلف في بعض الأحوال.

ومن هنا تبرز أهمية التثبت قبل نسبة أي قول إلى النبي ﷺ، امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وهو حديث متفق على صحته.

ماذا قال علماء الحديث؟

تناول عدد من كبار المحدثين هذه العبارة في كتب التخريج، وبينوا أنها لا تثبت عن النبي ﷺ. فقد ذكرها الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة ضمن الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، وأوضح أنها لا تصح مرفوعة، كما أشار إليها الإمام العجلوني في كشف الخفاء، مبينا أن إسنادها لا يثبت.

ولذلك فإن الصواب عند ذكر هذه العبارة هو وصفها بأنها مقولة مشهورة أو أثر متداول، لا حديث نبوي، حتى لا يُنسب إلى الرسول ﷺ ما لم يقله.

المعنى العام بين القبول والتفصيل

رغم عدم صحة نسبتها إلى النبي ﷺ، فإن المعنى الذي تشير إليه العبارة يحتاج إلى قدر من التفصيل، فهي تفيد أن أحوال الحكام ترتبط بأحوال الرعية، وأن صلاح المجتمع أو فساده ينعكس على من يتولى شؤونه.

وقد جاءت نصوص شرعية تؤكد مسؤولية كل فرد عن إصلاح نفسه ومجتمعه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وهي آية عظيمة تبين أن التغيير الحقيقي يبدأ من النفس، وأن إصلاح المجتمعات يقوم على إصلاح الأفراد.

كما أن القرآن الكريم أشار إلى أن أعمال الناس قد تكون سببا في بعض صور الابتلاء، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]، وهو معنى يختلف عن الجزم بأن كل حاكم هو صورة مطابقة تمامًا لأحوال شعبه.

التحذير من التوسع في إطلاقها

ينبه العلماء إلى أن استخدام هذه المقولة على إطلاقها قد يؤدي إلى أحكام غير دقيقة، لأن أحوال الأمم تخضع لسنن إلهية متعددة، وقد يبتلى الصالحون بحاكم ظالم كما ابتلي الأنبياء وأتباعهم بالطغاة، وقد يحكم العادل قوما فيهم الصالح والطالح.

ولهذا لا يجوز تحويل هذه العبارة إلى قاعدة شرعية مطردة يفسر بها كل حدث سياسي أو اجتماعي، خاصة أنها ليست نصًا نبويًا يُحتج به، وإنما هي مقولة اجتهادية ينظر إليها في ضوء النصوص الشرعية الصحيحة والواقع بكل تفاصيله.

أهمية التثبت قبل نشر الأحاديث

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار كثير من الأقوال المنسوبة إلى النبي ﷺ دون تحقق، حتى أصبحت بعض العبارات تتداول على نطاق واسع رغم ضعفها أو عدم صحتها، ويقع على عاتق المسلم مسؤولية التأكد من صحة الحديث قبل نشره أو الاستدلال به، فالكلمة أمانة، ونسبة شيء إلى رسول الله ﷺ مسؤولية عظيمة.

وقد يسَّرت المؤسسات العلمية والموسوعات الحديثية الإلكترونية وكتب التخريج الوصول إلى الحكم على الأحاديث، مما يجعل التثبت أمرا ميسورا لكل من أراد تحري الدقة.

العبرة بالمعنى الصحيح والنسبة الصحيحة

إن عبارة “كما تكونوا يُولَّى عليكم” ليست حديثا نبويا، ولا يجوز نسبتها إلى رسول الله ﷺ دون بيان حقيقتها، ومع ذلك فإن المسلم يستفيد من المعاني الصحيحة التي توافق القرآن والسنة، مع الالتزام بالأمانة العلمية في النقل، والتمييز بين الحديث الصحيح، والحديث الضعيف، والأقوال المأثورة، والأمثال المتداولة.

وهذا المنهج في التثبت لا يحفظ السنة النبوية فحسب، بل يعزز ثقافة التوثيق، ويغرس احترام النصوص الشرعية، ويجعل الاستدلال قائما على العلم واليقين، وهو ما دعا إليه الإسلام في جميع مجالات المعرفة والدين.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
تسليم الحجر على النبي..
أيد الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا ﷺ بآيات وعلامات كثيرة دلت على صدق نبوته، وكان منها ما وقع قبل البعثة،...
المزيد »
سنة الدعاء عند رؤية المبتلى..
جعل الإسلام الدعاء من أجل العبادات وأعظمها أثرا في حياة المسلم، فهو صلة مباشرة بين العبد وربه، ووسيلة...
المزيد »
تواضع الرسول ﷺ.. خلقٌ يرفع قدر الإنسان
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خُلُقًا، وأعظمهم تواضعا، فلم يكن تواضعه خُلُقا عارضا أو تصرفا...
المزيد »
صلاة الضحى..
صلاة الضحى من السنن النبوية العظيمة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من النوافل التي تقرب...
المزيد »
أمانة حفظها العلماء..
تمثل السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد أدرك الصحابة والتابعون ومن جاء...
المزيد »
«كلوا واشربوا هنيئا»..
قال الله تعالى في سورة الحاقة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾...
المزيد »
سورة الأعراف..
سورة الأعراف من السور المكية التي نزلت قبل الهجرة، وهي السورة السابعة في ترتيب المصحف الشريف، ويبلغ عدد...
المزيد »
«أُقِّتَتْ».. التذكير بيوم القيامة وأنه موعد مقرر لا شك في وقوعه
تتميز ألفاظ القرآن الكريم بالدقة والبلاغة، وقد تحمل الكلمة الواحدة معاني عميقة تكشف عنها كتب التفسير...
المزيد »
«وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا».. قصة السر الذي كشفه الله
وردت في سورة التحريم آيات تتناول موقفا وقع في بيت النبي محمد ﷺ، وفيه من الدروس التربوية والإيمانية ما...
المزيد »
أخطاء التلاوة الشائعة
ليس مبالغةً القول إن كثيراً ممن يتلون القرآن الكريم اليوم يقعون في أخطاء صوتية متكررة لا يدركونها، لا...
المزيد »
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك