تسليم الحجر على النبي..

آية من دلائل النبوة قبل البعثة

أيد الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا ﷺ بآيات وعلامات كثيرة دلت على صدق نبوته، وكان منها ما وقع قبل البعثة، ومنها ما ظهر بعدها. وقد حفظت كتب السنة والسيرة عددا من هذه الدلائل التي مهدت...
تسليم الحجر على النبي..

تسليم الحجر على النبي..

آية من دلائل النبوة قبل البعثة

أيد الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا ﷺ بآيات وعلامات كثيرة دلت على صدق نبوته، وكان منها ما وقع قبل البعثة، ومنها ما ظهر بعدها. وقد حفظت كتب السنة والسيرة عددا من هذه الدلائل التي مهدت لرسالة خاتم الأنبياء، وأظهرت مكانته العظيمة عند الله تعالى.

ومن أبرز هذه العلامات ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن». ويعد هذا الحديث من دلائل النبوة الثابتة، إذ يبين أن الله تعالى أكرم نبيه ﷺ بآية خارقة للعادة قبل نزول الوحي، حيث كان حجر من حجارة مكة يلقي عليه السلام، إعلانًا لمكانته وتهيئةً لما سيحمله من رسالة عظيمة.

حديث صحيح يثبت هذه الكرامة

ورد هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم، وهو من أصح كتب الحديث بعد صحيح البخاري، ولذلك أجمع أهل العلم على صحة ثبوته.

ويخبر النبي ﷺ بنفسه عن هذه الواقعة، مؤكدًا أنه كان يعرف ذلك الحجر، وأنه ما زال يعرفه بعد البعثة، مما يدل على أن الحادثة لم تكن وهمًا أو خيالًا، وإنما كانت حقيقة أكرمه الله بها.

ويعد هذا الحديث من النصوص التي تثبت أن الجمادات قد تنطق أو تتفاعل بأمر الله تعالى، فالله سبحانه هو خالق الكون كله، وهو القادر على أن يجعل الحجر أو الشجر أو الحيوان يتكلم إذا شاء، كما أخبر القرآن الكريم والسنة النبوية في مواضع متعددة.

دلالة السلام من الحجر

السلام الذي كان يلقيه الحجر على النبي ﷺ يحمل دلالات عظيمة، فهو إعلان من مخلوق جامد بمعرفة منزلة النبي الكريم قبل أن يُبعث رسولًا إلى الناس.

وقد ذكر العلماء أن هذه الكرامة كانت من إرهاصات النبوة، أي العلامات التي تسبق البعثة وتدل على قربها، وتكون تهيئة للنبي ﷺ واستعدادًا لما سيحمله من أعباء الرسالة.

كما أن في ذلك إشارة إلى أن الكون كله كان مهيأ لاستقبال خاتم الأنبياء، وأن المخلوقات تعرف منزلته التي اختاره الله لها، حتى وإن جهلها كثير من البشر في ذلك الوقت.

الجمادات تسبح بحمد الله

قد يستغرب بعض الناس كيف يسلم حجر على إنسان، غير أن القرآن الكريم يقرر أن جميع المخلوقات تسبح الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].

فإذا كانت المخلوقات كلها تسبح الله، فلا غرابة أن يأذن الله لحجر بأن يسلم على نبيه ﷺ، أو أن يحن جذع النخلة إليه، أو أن تسبح الحصى بين يديه، فكل ذلك من المعجزات التي أجراها الله تكريمًا لرسوله.

وقد شهدت السيرة النبوية عددًا من المواقف التي تفاعلت فيها الجمادات مع النبي ﷺ، ومن أشهرها حنين جذع النخلة عندما فارقه النبي ﷺ، وهي معجزة ثابتة في الأحاديث الصحيحة.

إرهاصات النبوة قبل البعثة

لم تكن حادثة تسليم الحجر العلامة الوحيدة التي سبقت البعثة، فقد حفظت كتب السيرة عددًا من الإرهاصات التي هيأ الله بها نبيه ﷺ، ومنها الرؤيا الصادقة التي كان يراها فتأتي مثل فلق الصبح، وحب الخلوة والتعبد في غار حراء، وحفظه من مظاهر الشرك والانحراف التي كانت منتشرة في الجاهلية.

كما أن الله تعالى عصمه من كثير من عادات أهل الجاهلية، وهيأه ليكون أهلًا لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية، حتى جاءه الوحي وهو في الأربعين من عمره، فبدأ عهد النبوة والرسالة.

دروس وعبر من هذه المعجزة

تحمل هذه المعجزة العديد من الدروس الإيمانية، من أبرزها أن الله تعالى إذا اصطفى عبدا هيأ له أسباب النجاح وأكرمه بما يزيده يقينا وثباتا،كما تؤكد أن النبي ﷺ كان موضع عناية الله ورعايته قبل البعثة وبعدها.

وتغرس هذه الحادثة في نفوس المسلمين مزيدا من المحبة والتعظيم للنبي ﷺ، مع الإيمان بأن ما أكرمه الله به من المعجزات إنما هو دليل على صدق رسالته، وليس غاية في ذاته، إذ كانت المعجزات وسيلة لإقامة الحجة على الناس.

وتعلمنا هذه القصة أيضا أن قدرة الله تعالى لا يحدها شيء، فهو القادر على أن يجعل الجمادات تنطق، وأن يجري على أيدي أنبيائه من الآيات ما يشاء، تحقيقا لحكمته وإظهارا لصدق رسله.

مكانة النبي ﷺ عند ربه

إن تسليم الحجر على النبي ﷺ قبل البعثة يكشف جانبا من المكانة العظيمة التي خصه الله بها، فقد كان خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الخلق أجمعين، وهيأه الله لحمل الرسالة الخاتمة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور.

ويبقى هذا الحديث الصحيح شاهدا على أن دلائل النبوة لم تبدأ مع نزول الوحي فحسب، بل سبقتها إرهاصات وآيات عظيمة تؤكد أن الله تعالى كان يرعى نبيه ويعده لأداء رسالته العالمية. ومن خلال التأمل في هذه المعجزات يزداد المؤمن يقينًا بصدق نبوة محمد ﷺ، ومحبة له، وحرصًا على اتباع سنته والاقتداء به في جميع شؤون الحياة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك