سنة الدعاء عند رؤية المبتلى..

أدب نبوي يجمع بين الشكر والرحمة

جعل الإسلام الدعاء من أجل العبادات وأعظمها أثرا في حياة المسلم، فهو صلة مباشرة بين العبد وربه، ووسيلة لإظهار الافتقار إليه سبحانه في جميع الأحوال، ولم تقتصر السنة النبوية على تعليم المسلم الأدعية في أوقات...
سنة الدعاء عند رؤية المبتلى..

سنة الدعاء عند رؤية المبتلى..

أدب نبوي يجمع بين الشكر والرحمة

جعل الإسلام الدعاء من أجل العبادات وأعظمها أثرا في حياة المسلم، فهو صلة مباشرة بين العبد وربه، ووسيلة لإظهار الافتقار إليه سبحانه في جميع الأحوال، ولم تقتصر السنة النبوية على تعليم المسلم الأدعية في أوقات الفرح أو الشدة، بل أرشدته إلى أذكار وأدعية تناسب مختلف المواقف التي يمر بها في حياته اليومية، ومن بين هذه السنن الدعاء عند رؤية المبتلى، وهو دعاء يحمل معاني الشكر لله على نعمة العافية، والاعتراف بفضله، مع استحضار الرحمة بالمبتلى، بعيدًا عن السخرية أو التفاخر.

الدعاء الوارد في السنة

ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء»، وهو حديث رواه الترمذي وغيره، وحسنه عدد من أهل العلم.

ويُعد هذا الدعاء من الأذكار التي يستحب للمسلم أن يحافظ عليها عند رؤية من ابتُلي بمرض أو إعاقة أو مصيبة أو غير ذلك من صور الابتلاء، شكرًا لله تعالى على نعمة العافية، وسؤالًا له دوامها.

وقد نبه العلماء إلى أن المقصود من هذا الدعاء ليس الانتقاص من المبتلى أو الشعور بالتفوق عليه، وإنما الاعتراف بفضل الله، فالعافية نعمة عظيمة تستوجب الشكر، كما أن البلاء قد يكون سببًا لرفع الدرجات وتكفير السيئات.

من آداب الدعاء عند رؤية المبتلى

من أهم الآداب التي أكد عليها العلماء أن يكون هذا الدعاء سرًّا، بحيث لا يسمعه المبتلى ولا يشعر به؛ لأن سماعه قد يجرح مشاعره أو يزيد من حزنه وألمه.

وقد ذكر الإمام النووي وغيره أن الأولى أن يقول المسلم هذا الدعاء في نفسه أو بصوت لا يسمعه المبتلى، جمعًا بين العمل بالسنة، والمحافظة على مشاعر الآخرين، فالرحمة من أبرز أخلاق الإسلام.

كما ينبغي للمسلم أن يستحضر عند رؤية المبتلى أن البلاء بيد الله تعالى، وأن الإنسان قد ينتقل من حال الصحة إلى المرض، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الأمن إلى الخوف في لحظة واحدة، ولذلك فإن الدعاء ينبغي أن يقترن بالتواضع، لا بالإعجاب بالنفس أو الاغترار بالعافية.

العافية نعمة تستحق الشكر

كثير من الناس لا يدرك قيمة نعمة العافية إلا إذا فقدها أو رأى غيره محرومًا منها. ولهذا كان الدعاء عند رؤية المبتلى وسيلة عملية لتجديد الشعور بهذه النعمة، واستحضار فضل الله تعالى على عباده.

والعافية لا تقتصر على سلامة البدن، بل تشمل سلامة الدين، والعقل، والنفس، والأسرة، والرزق، وسائر نعم الله الظاهرة والباطنة. ولذلك كان النبي ﷺ يكثر من سؤال الله العافية، ومن دعائه: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة».

فإذا تذكر المسلم نعم الله عليه، ازداد شكرًا، وأحسن استخدامها فيما يرضي الله، وابتعد عن الكبر والغفلة، وعلم أن دوام النعم مرتبط بشكر المنعم سبحانه.

الابتلاء سنة ماضية في حياة الناس

لا يخلو إنسان من الابتلاء، فالدنيا دار اختبار، وقد يبتلى المرء بالصحة كما يبتلى بالمرض، وبالغنى كما يبتلى بالفقر، وبالقوة كما يبتلى بالضعف. قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾.

ولهذا لا ينبغي أن ينظر المسلم إلى المبتلى نظرة استعلاء، بل ينظر إليه بعين الرحمة والدعاء، ويتذكر أن الله سبحانه هو الذي قسم الأحوال بين عباده بحكمته وعدله.

وقد يكون المبتلى أقرب إلى الله تعالى من كثير ممن يتمتعون بالصحة والعافية؛ لأن البلاء إذا صبر عليه العبد واحتسبه كان سببًا لرفع درجاته وتكفير ذنوبه، كما أخبر النبي ﷺ في أحاديث كثيرة.

كيف يتعامل المسلم مع المبتلى؟

إلى جانب الدعاء المشروع، حث الإسلام على مواساة المبتلى وتخفيف آلامه، ومساعدته بما يستطيع الإنسان من مال أو جهد أو كلمة طيبة أو دعاء صادق.

ومن الأخطاء التي ينبغي تجنبها تذكير المبتلى ببلائه بصورة تؤذيه، أو الحديث عن حاله بطريقة تقلل من كرامته، أو نشر صوره وقصصه دون إذنه بحجة العبرة أو جمع التبرعات.

كما ينبغي الحرص على إدخال السرور على المبتلى، وزيارته إذا كان مريضًا، والدعاء له بالشفاء والعافية، والوقوف إلى جانبه، امتثالًا لتعاليم الإسلام التي جعلت الرحمة والتكافل من أعظم القيم الإنسانية.

سنة تستحق الإحياء

غفل كثير من المسلمين عن هذا الدعاء النبوي، رغم ما يحمله من معان إيمانية عظيمة، فهو يجمع بين شكر الله على نعمة العافية، واستشعار ضعف الإنسان، والتواضع لله، والتذكير بأن النعم قد تزول إن لم تُشكر.

وإحياء هذه السنة لا يكون بمجرد ترديد كلمات الدعاء، بل بفهم مقاصدها والعمل بمقتضاها؛ فيشكر المسلم ربه على نعمه، ويحسن إلى المبتلين، ويحفظ مشاعرهم، ويوقن أن البلاء والعافية كلاهما من تقدير الله وحكمته.

وفي زمن كثرت فيه صور المرض والأزمات والابتلاءات، يبقى هذا الدعاء النبوي مدرسة تربوية تغرس في النفس معاني الامتنان، والرحمة، والتواضع، وحسن الظن بالله، ليظل المسلم شاكرًا في العافية، صابرًا عند البلاء، راجيًا فضل الله ورحمته في جميع أحواله.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك