«كلوا واشربوا هنيئا»..

ثمرة الطاعة وجزاء المؤمنين

قال الله تعالى في سورة الحاقة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24]. تعد هذه الآية من أبهج آيات القرآن الكريم؛ إذ تحمل بشارة عظيمة لأهل الإيمان الذين صبروا على الطاعة، وجاهدوا...
«كلوا واشربوا هنيئا»..

«كلوا واشربوا هنيئا»..

ثمرة الطاعة وجزاء المؤمنين

قال الله تعالى في سورة الحاقة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24]. تعد هذه الآية من أبهج آيات القرآن الكريم؛ إذ تحمل بشارة عظيمة لأهل الإيمان الذين صبروا على الطاعة، وجاهدوا أنفسهم في الدنيا، فاستحقوا نعيم الجنة ورضوان الله سبحانه وتعالى. وهي تذكر المؤمن بأن كل عمل صالح يقدمه في حياته لن يضيع عند الله، بل سيجده يوم القيامة جزاءً كريمًا وثوابًا عظيمًا.

سياق الآية في سورة الحاقة

جاءت هذه الآية بعد أن بين الله سبحانه حال المؤمن الذي يُؤتى كتابه بيمينه، فيفرح بذلك ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ۝ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، فيعلن سروره أمام الخلائق بعدما أيقن في الدنيا أنه سيقف بين يدي الله للحساب.

ثم يذكر القرآن الكريم ما أعده الله لهذا المؤمن من النعيم، فيقول: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ۝ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، ثم تأتي البشارة العظيمة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، أي تفضلوا بالأكل والشرب في نعيم لا ينقطع، جزاء ما قدمتموه من أعمال صالحة في الدنيا.

معنى قوله تعالى: «كلوا واشربوا هنيئًا»

يفسر العلماء قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا﴾ بأنه أمر إكرام وتشريف، وليس مجرد إباحة للطعام والشراب، فالملائكة تستقبل أهل الجنة بهذا النداء الكريم، ليشعروا بالأمن والطمأنينة بعد أهوال يوم القيامة.

أما كلمة ﴿هنيئا﴾ فتعني أن هذا النعيم خالٍ من كل ما يعكر صفوه؛ فلا مرض، ولا تعب، ولا انقطاع، ولا خوف من زوال النعمة، بخلاف نعيم الدنيا الذي قد يشوبه الألم أو القلق أو الفناء.

وقد جمع الله في هذه الكلمة القليلة معاني الراحة والسعادة والرضا، ليكون نعيم الجنة كاملًا من جميع الوجوه.

«بما أسلفتم».. العمل الصالح هو السبب

يبين قوله تعالى: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ أن هذا الجزاء الكريم جاء بسبب ما قدمه المؤمنون من أعمال صالحة في حياتهم الدنيا، من صلاة وصيام وزكاة وصدقة وبر وصلة رحم وذكر لله وإحسان إلى الخلق.

وكلمة «أسلفتم» تعني: قدمتم لأنفسكم، فكأن الأعمال الصالحة أموال يدخرها الإنسان ليوم القيامة، فيجدها مضاعفة عند الله سبحانه وتعالى.

ولا يعني ذلك أن الإنسان يدخل الجنة بعمله وحده، وإنما يدخلها برحمة الله، ثم تكون الأعمال سببًا لنيل هذه الرحمة ورفعة الدرجات، كما دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة.

«في الأيام الخالية».. الدنيا دار العمل

المقصود بقوله تعالى: ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أيام الدنيا التي مضت وانقضت، فهي الأيام التي كانت ميدانًا للطاعة والعبادة، بينما الآخرة دار الجزاء والحساب.

وسميت الأيام الخالية لأنها خلت وانتهت، ولم يعد الإنسان قادرًا على زيادة عمله أو تدارك ما فاته. ولذلك كان السلف الصالح ينظرون إلى الدنيا على أنها فرصة لا تتكرر، فمن أحسن استغلالها سعد في الآخرة، ومن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم.

وفي هذا تذكير للمؤمن بأن كل يوم يمر من عمره هو رصيد يمكن أن يملأه بالحسنات، قبل أن يصبح من الأيام الخالية التي لا يمكن الرجوع إليها.

دروس تربوية من الآية الكريمة

تحمل الآية عددًا كبيرًا من الدروس الإيمانية والتربوية، من أهمها أن الله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، وأن كل عمل صالح مهما كان صغيرًا محفوظ عنده جل وعلا.

كما تؤكد أن الإيمان الحقيقي يدفع صاحبه إلى العمل، فلا يكتفي بالأماني، بل يجتهد في الطاعة ويبتعد عن المعاصي، طمعًا في هذا النداء الكريم يوم القيامة.

ومن دروسها أيضًا أن نعيم الدنيا مهما بلغ فهو مؤقت، أما نعيم الجنة فهو دائم لا ينقطع، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقدم الباقي على الفاني، وأن يجعل الآخرة أكبر همه.

وتغرس الآية كذلك قيمة اغتنام العمر، فالدنيا قصيرة، وأيامها تمضي سريعًا، والموفق هو من يملؤها بالطاعات والأعمال الصالحة التي يجد ثوابها عند الله.

بين التعب في الدنيا والراحة في الآخرة

من تأمل هذه الآية أدرك أن المشقة التي يتحملها المؤمن في سبيل طاعة الله ليست ضياعًا، وإنما هي استثمار حقيقي للآخرة. فقيام الليل، والصيام، والإنفاق، والصبر على البلاء، وكف النفس عن الحرام، كلها أعمال قد تبدو شاقة في الدنيا، لكنها تتحول يوم القيامة إلى نعيم مقيم وسعادة لا توصف.

ولهذا كان الصحابة والتابعون يستحضرون دائمًا أن ما عند الله خير وأبقى، فيصبرون على الطاعة ويحتسبون الأجر، طمعًا في سماع هذا النداء العظيم.

رسالة الآية للمؤمن

تبعث هذه الآية في القلب الأمل والثقة برحمة الله، وتدعو المسلم إلى اغتنام أيام عمره قبل أن تصبح من «الأيام الخالية». فالطاعات التي يؤديها اليوم، والخلق الحسن الذي يتحلى به، والإحسان الذي يقدمه للناس، كلها ذخيرة يجدها أمامه يوم القيامة. ومن وفقه الله للإيمان والعمل الصالح كان من أهل هذا التكريم الرباني، فيُقال له: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، وهي بشارة تجمع بين تمام النعيم، وعظيم الرضا، وكمال الكرامة التي أعدها الله لعباده المؤمنين.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك