![]()
الحديث المُعلَّق.. رواية تبدأ من المنتصف
يبرز مصطلح “الحديث المعلَّق” بوصفه واحداً من أكثر الأنواع إثارةً للتأمل، إذ يحمل في طياته سؤالاً جوهرياً يتعلق بصحة الخبر وقبوله، قبل أن يتعلق بمضمونه ودلالته. وللوقوف على حقيقة هذا المصطلح، لا بد من الإحاطة بمحيطه العلمي الذي نشأ فيه، وهو علم مصطلح الحديث، ذلك العلم الدقيق الذي رسم الحدود الفاصلة بين ما يُقبل وما يُرد من الأخبار المنسوبة إلى النبي ﷺ.
الحديث المعلَّق في تعريفه الاصطلاحي الذي استقر عليه المحدثون هو: كل حديث حُذف من مبتدأ إسناده راوٍ واحد فأكثر، سواء أكان المحذوف راوياً واحداً أم رواة متعددين متتالين، حتى وإن بلغ الحذف النبيَّ ﷺ نفسه. والتعليق يختلف عن سائر أنواع الانقطاع في الإسناد بهذه السمة الجوهرية، إذ إن الحذف فيه يقع من أول السند، لا في وسطه كما هو الحال في الحديث المنقطع، ولا في آخره كما هو في المرسل. والصورة الأشهر للتعليق تلك التي يقول فيها المصنف: “قال رسول الله ﷺ كذا”، دون أن يذكر بينه وبين النبي ﷺ أي واسطة من رواة.
التعليق في صحيح البخاري.. إشكالية كبرى وحلٌّ موفَّق
لو أن للحديث المعلَّق موطناً يختصه الباحثون بالدرس والمناقشة دون سائر المواطن، لكان ذلك الموطن صحيح الإمام البخاري، أعظم كتب الحديث على الإطلاق. فقد أورد الإمام أبو عبدالله البخاري في صحيحه جملةً من الأحاديث المعلقة، بلغت عند من أحصاها نحو ألف وثلاثمائة حديث بالمكرر، ونحو ثمانمائة حديث دون تكرار، وهو رقم لافت في كتاب يُعدّ أصح الكتب بعد كتاب الله.
غير أن هذا الإيراد لم يكن من البخاري إخلالاً بشرطه الذي التزمه، ولا تساهلاً في المنهج الذي اشتُهر به. فالتعليقات في صحيحه تأتي على وجوه شتى: منها ما علَّقه بصيغة الجزم كقوله “قال فلان” أو “ذكر فلان”، وهذا يدل على صحة الإسناد إليه في الغالب، ومنها ما أورده بصيغة التمريض كقوله “يُروى عن فلان” أو “يُذكر”، وهذا إشارة إلى أن الإسناد لم يستوفِ عنده شرط الصحة. وقد تكفَّل الحافظ ابن حجر العسقلاني بهذه المسألة تكفلاً وافياً في كتابه “تغليق التعليق”، حين وصل تلك الأحاديث المعلقة وأخرج أسانيدها من مصادرها المتعددة، فأزاح بذلك غموضاً طال كثيراً من الطلاب والباحثين.
العلماء والتعليق.. مواقف متباينة وضوابط محكمة
لم يقف العلماء من الحديث المعلَّق موقفاً واحداً متجانساً، بل تباينت آراؤهم تبايناً يعكس عمق الاجتهاد في هذه المسألة ودقة النظر في أبعادها. فجمهور المحدثين يصنفون الحديث المعلَّق ضمن الأحاديث الضعيفة، من حيث إن الانقطاع في الإسناد يحول دون التثبت من صحة النسبة إلى قائلها، إذ الراوي المحذوف قد يكون ثقةً وقد يكون ضعيفاً، وما خُفي لا يمكن الحكم عليه.
بيد أن هذه القاعدة ليست مطردة على إطلاقها، فالحكم على الحديث المعلَّق يتفاوت بحسب المعلِّق ومقام كتابه وما عُرف من منهجه. فإن كان المعلِّق إماماً كالبخاري أو مالك في “الموطأ” الذي أكثر فيه من التعليق أيضاً، فإن تعليقهما يُفيد قرينةً على ثبوت الحديث في الجملة، لا سيما ما جاء بصيغة الجزم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التعليق في مثل هذه المصنفات الكبرى يمكن أن يرتقي إلى درجة الصحيح أو الحسن متى وُصل إسناده ووجد له طريق معتبرة. أما التعليق في كتب لا يُعرف لأصحابها منهج محرَّر، فلا يكاد يتجاوز في حكمه الإرسال والانقطاع.
ومن أبرز ما يميز الحديث المعلَّق أن حذف الإسناد فيه قد يكون مقصوداً من المصنف لأغراض متعددة؛ فقد يعلِّق الحديث اختصاراً وتجنباً للإطالة حين يكون قد أسنده في موضع آخر من كتابه، وقد يعلِّقه لأن إسناده لا يبلغ شرط الكتاب لكنه يورده استشهاداً أو تقوية لما سبق. وهذه الدقائق هي التي تجعل الدرس العلمي للحديث المعلَّق ميداناً خصباً لأهل الاختصاص الراسخين.
التعليق بين الكتب الستة.. ملامح وفوارق
إذا قارن الناظر بين مناهج أصحاب الكتب الستة في التعليق، وجد أن لكل إمام منهم طريقته المستقلة التي تنبع من شرطه الذي التزمه ومقصده الذي رمى إليه. فالبخاري، كما تقدم، أكثر من التعليق واستخدمه أداةً لتوسيع النقل وإيراد الفوائد الحكمية في تراجم الأبواب. أما مسلم في صحيحه فقد تجنَّب التعليق في الأحاديث الأصلية تجنباً واسعاً والتزم الإسناد المتصل في متن الكتاب، وإن كان يُعلِّق أحياناً في المقدمة والمباحث الاستطرادية.
وفي “الموطأ” لمالك بن أنس الذي يسبق هذه الكتب كلها في الزمن، تبدو التعليقات ظاهرة بارزة أفرزتها طبيعة الكتاب نفسه الذي جمع بين الحديث المسند والموقوف والمرسل والمعلَّق، إذ لم يكن مالك يرى حرجاً في الاستناد إلى بلاغاته وهي معلقات مشهورة في كتبه حين تتقوى بغيرها من الطرق أو يشهد لها عمل أهل المدينة. ولهذا السبب عُني العلماء من بعده بوصل هذه البلاغات، وكان أشهر من عُني بذلك الدارقطني في كتابه المعروف، ثم ابن عبد البر في “التمهيد” الذي جاء موفياً بهذه المهمة العلمية الجليلة.
أما أصحاب السنن الأربعة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، فإنهم وإن أوردوا شيئاً من المعلقات، فإنها لا تبلغ في كتبهم ذلك الحجم الذي بلغته في الصحيحين وفي الموطأ، وقد كان شأنهم في الغالب تقييد الإسناد والتنبيه على علله، مما يجعل التعليق في كتبهم استثناءً لا قاعدة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | ابن حجر العسقلاني, الإمام مالك, البخاري, الترمذي, الدارقطني, الموطأ, النسائي



