![]()
«أنتم الشعار والناس دثار».. شهادة طيبت قلوب الأنصار
«أنتم الشعار والناس دثار».. شهادة طيبت قلوب الأنصار
كانت حنين قد وضعت أوزارها، وتفرّقت جموع هوازن وثقيف بعد أن ذاقت مرارة الهزيمة، وعادت الجيوش الظافرة تحمل غنائمها الثقيلة، وكان لا بد لقائد يبني أمةً ويصنع مستقبلاً أن يُفكر في ما هو أبعد من لحظة النصر، أن يُفكر في القلوب قبل الغنائم، وفي الغد قبل اليوم. فكانت تلك اللحظات في أعقاب حنين من أبلغ ما سطّره التاريخ عن ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم في تأليف النفوس وقيادة البشر.
صفوان بن أمية وخريطة القلوب
عطاء النبي صلى الله عليه وسلم لسادة قريش ولزعماء القبائل في أعقاب حنين فوق كونه كرما نبويا كان أيضا قراءة دقيقة لطبائع النفوس البشرية، وفهماً عميقاً لكيفية تحويل العداء إلى ولاء، واللامبالاة إلى إيمان، كان صفوان بن أمية قد طلب مهلة شهرين قبل أن يُقرر أمر إسلامه، فلم يضيّق عليه النبي، بل أعطاه أربعة أشهر كاملة، وكأنه يقول له: الإيمان لا يُكرَه ولا يُستعجَل، واستعار منه النبي عُدّة المحارب، وأعطاه مائة من الإبل تأليفاً لقلبه.
وبينما كانت الجموع تتحرك في شِعاب حنين، وجد النبي صلى الله عليه وسلم صفوان واقفاً ينظر في انبهار واضح إلى شِعب قد امتلأ بالإبل والشاء امتلاءً لم تألفه عينٌ من قبل. فقال له النبي في لطف ومباغتة: “أبا وهب، أيُعجبك هذا الشعب؟” قال صفوان: نعم. قال: “هو لك وما فيه”. فوقف صفوان مذهولاً: “لي؟!” قال: “نعم”. فأشرق وجه الرجل الذي طالما وقف في وجه هذا الدين وأنفق ماله لمحاربته، وقال ما قاله العقل حين تُسقطه المفاجأة في أحضان الحقيقة: “إن الملوك لا تطيب نفوسها بمثل هذا، ما طابت نفس أحد قط بمثل هذا إلا نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”.
وهكذا أسلم صفوان وصدق إسلامه، لم يُسلم خوفاً من سيف، ولا طمعاً في منصب، بل أسلم حين رأى أن هذا الكرم لا يصدر إلا عمّن يثق بربه ثقةً مطلقة لا تُعرف حدودها، وأن هذه السماحة لا تنبع إلا من قلب ملأه الله بما لا يملكه أصحاب الخزائن والعروش.
الأنصار ووجدة أخفاها الوفاء
لكن العطاء الكبير لسادة قريش كان يُقلّب في أنفس الأنصار شيئاً لم يستطيعوا إخفاءه طويلاً. هم الذين فتحوا بيوتهم وقاسموا إخوانهم المهاجرين الأموال والأرزاق، هم الذين وقفوا في بدر وأُحد والخندق ولم يتوانوا يوماً عن النصرة، ها هم ينظرون إلى غنائم حنين تتوزع على قريش مسلمها وكافرها، وتمر على الأنصار مرور السيل على الصخر دون أن تترك شيئاً. فقال بعضهم لبعض في ما يشبه الشكوى الصادقة من أعماق الوفاء لا من ضيق النفس: “لقد لقي النبي قومه”، وسيوفنا لم تجفّ بعد من دماء الأمس.
كانت وجدةً إنسانية حقيقية، لا غلَّ ولا حقداً، بل هي ذلك الألم الصادق الذي يعتري النفس الكريمة حين تشعر بشيء من الغبن. وقد بلغت مقالتهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فكان لها في نفسه أثر، لأنه يُحب الأنصار حباً يعلم الله مداه، ولا يطيق أن يكون في صدورهم عليه شيء.
أرسل النبي إلى سعد بن عبادة زعيم الخزرج فسأله في مباشرة من لا يُريد الالتفاف على الحقيقة: “ما مقالة بلغتني عن قومك؟” فلم يتملَّق سعد ولم يُنكر، بل قال بصدق رجل يعرف قومه ويعتزّ بهم: نعم يا رسول الله، إنهم وجدوا عليك في أنفسهم لما قسمت الفيء في قريش وقبائل العرب ولم يكن للأنصار منها شيء. فسأله النبي: “فأين أنت من ذلك يا سعد؟” فقال سعد في إجابة تكشف عن معدن الرجل: ما أنا إلا رجل من قومي. فقال النبي: “إذن فاجمع لي قومك”.
خطبة حنين وكلمات كالدواء في الجراح
خرج سعد فجمع الأنصار في شِعب لم يدخل فيه غيرهم. وجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لا يصحبه إلا الصديق أبو بكر، حيّاهم بتحية الإسلام وحمد الله وأثنى عليه، ثم أطلق كلماته التي طافت بالتاريخ كله في جولة واحدة: “يا معشر الأنصار، ألم تكونوا كفاراً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالةً فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا أعداء فألّف الله بين قلوبكم بي؟”
ثلاثة أسئلة لا يملك أمامها أحد إجابة غير الإقرار. والإقرار هنا ليس استسلاماً بل استيقاظاً، استيقاظ على حقيقة أن ما جرى لم يكن صنيع بشر، بل كان يد الله تعمل في التاريخ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أداة تلك اليد الكريمة.
ثم قلب النبي المشهد قلباً يُبهر العقول: “أما والله لو شئتم لقلتم فلصدَّقتم ولصُدِّقتم، قولوا: ألم تأتنا مكذَّباً فصدقناك؟ ألم تأتنا مخذولاً فنصرناك؟ ألم تأتنا طريداً فآويناك؟ ألم تأتنا عائلاً فواسيناك؟” فارتفعت أصوات الأنصار بالبكاء وهم يقولون: “المنة لله ولرسوله”.
وجاء الجواب عن كل شيء في كلمة واحدة جمعت الدنيا والآخرة: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله في رحالكم؟ أنتم الشعار والناس دثار.
الشعار هو الثوب الذي يُلاصق الجلد ويلامس شَعر البدن، أي الأقرب والأعزّ والأكثر التصاقاً بالقلب. فالناس كلهم دثار خارجي، وأنتم يا أهل المدينة يا أصحاب البيعتين يا أصحاب الهجرة الثانية، أنتم الشعار الذي لا يتخلى عنه الجسد.
الحب الذي لا تسعه الكلمات
وبسط النبي صلى الله عليه وسلم يديه الشريفتين وهو يقول: “اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار”. ويقول من حضر من الصحابة: فظننا أنه لن يسكت حتى يعدّ مائة جيل من الأنصار.
ثم ذكّرهم بعهد العقبة، تلك الليلة التي انعقد فيها ميثاق التاريخ في جبل مكة بين يد تمتد وأيدٍ أُخرى تمتد إليها: “الدم الدم، والهدم الهدم، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم، المحيا محياكم، والممات مماتكم”، وأعلن ما كان الأنصار يخشون سماعه خشية المحبين لا خشية الضعفاء، أعلن أنه ماضٍ معهم إلى المدينة، وأن المدينة ستظل داره ومقامه إلى أن يلقى ربه.
فبكى الأنصار حتى اخضلَّت لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله، رضينا رضينا، خذ ما بأيدينا من أموال وأعطها لأهل مكة”. وهكذا انقلبت الوجدة إلى رضا، والشكوى إلى إيثار، والدمعة إلى انشراح، لأن القائد الذي يعرف قومه يعرف أن ما يحتاجه الجرح الصادق ليس المرهم المادي بل الاعتراف، وأن الإنسان حين يعلم أنه محبوب وأنه في القلب قبل الجيب، يتحمل كل شيء ويهب كل شيء ويرضى بكل شيء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأنصار, الرسول صلى الله عليه وسلم, سعد بن عبادة, صفوان بن أمية, غزوة حنين



