![]()
«فأشارت إليه»..
أمر إلهي بتولي عيسى عليه السلام مهمة الدفاع عن السيدة مريم
«فأشارت إليه»..
أمر إلهي بتولي عيسى عليه السلام مهمة الدفاع عن السيدة مريم
تُعد قصة ميلاد نبي الله عيسى عليه السلام من أعظم القصص القرآنية التي تجلت فيها قدرة الله تعالى وحكمته البالغة، وقد وردت تفاصيلها في سورة مريم بأسلوب بديع يجمع بين الإعجاز البياني والتربية الإيمانية، ومن الآيات التي استوقفت المفسرين قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29]، وهي آية تحمل في طياتها معاني عظيمة، وتكشف عن معجزة من أعظم معجزات عيسى عليه السلام، كما تتضمن لطائف ودلالات قرآنية تستحق التأمل والتدبر.
سياق الآية في قصة مريم وعيسى عليهما السلام
بعد أن حملت السيدة مريم بعيسى عليه السلام بأمر الله تعالى، اعتزلت قومها حتى وضعت مولودها، ثم عادت به إلى قومها، فاستقبلوها بالاتهام والاستنكار، لأنهم رأوا طفلاً بين يديها دون أن يكون لها زوج.
قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27].
وأمام هذا الموقف العصيب، لم تدخل مريم في جدال أو دفاع عن نفسها، بل امتثلت لأمر الله الذي أوحى إليها بالصمت، فأشارت إلى الطفل عيسى عليه السلام ليكون هو المتحدث والمدافع عن براءة أمه.
معنى قوله تعالى: «فأشارت إليه»
ذكر المفسرون أن مريم عليها السلام أشارت إلى ابنها عيسى عليه السلام عندما طالبها قومها بتفسير ما حدث، وكانت هذه الإشارة تعني: اسألوه وأجيبوا منه.
وقد استغرب القوم ذلك أشد الاستغراب، لأن الطفل الرضيع لا يستطيع الكلام عادة، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
والمهد هو الموضع الذي يُهيأ للطفل لينام فيه، والصبي هو الطفل الصغير. وكان تعجبهم طبيعيا بحسب السنن المعتادة، لكن قدرة الله تعالى فوق كل مألوف.
معجزة الكلام في المهد
تتمثل المعجزة الكبرى في هذه القصة في أن الله تعالى أنطق عيسى عليه السلام وهو رضيع لم يتجاوز أياما من عمره.
فما إن قال القوم ما قالوا حتى أجابهم عيسى عليه السلام بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30].
وكان هذا الكلام آية ظاهرة تدل على صدق رسالة عيسى عليه السلام وبراءة أمه مريم من كل ما اتهمها به قومها.
وقد عدّ العلماء كلام عيسى في المهد من أعظم المعجزات؛ لأنه خرق للعادة المألوفة التي جرت بأن الطفل لا يتكلم إلا بعد مدة طويلة من ولادته.
براءة مريم بأبلغ أسلوب
من اللطائف القرآنية في هذه الآيات أن الله تعالى تولى الدفاع عن مريم بنفسه، فلم يجعل براءتها قائمة على شهادة البشر، بل جعلها قائمة على معجزة إلهية.
فلو تكلمت مريم ودافعت عن نفسها لربما استمر الجدل والشك، أما عندما تكلم الرضيع فقد انقطعت حجج المكذبين وظهرت الحقيقة بصورة لا تقبل الإنكار.
وهذا يدل على أن الله سبحانه إذا أراد نصرة عبده هيأ له من الأسباب ما يفوق توقعات البشر.
لطائف بلاغية في الآية
من اللطائف البلاغية أن القرآن عبّر بقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ في إيجاز بديع، فلم يذكر تفاصيل كثيرة، لأن الإشارة وحدها كانت كافية للدلالة على الموقف كله.
كما أن قولهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ يكشف عن شدة استغرابهم، حيث جاء الاستفهام للتعجب والإنكار.
ومن الدقائق اللغوية أن التعبير بـ”كان” لا يعني الماضي المنقطع فقط، وإنما يفيد وصفه بالحال التي هو عليها، أي كيف نخاطب طفلا رضيعا لا يزال في مهده.
دروس وعبر من الآية الكريمة
تحمل هذه الآية عددا من الدروس المهمة، منها:
الثقة بالله تعالى عند الشدائد والأزمات.
أن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان.
قدرة الله سبحانه لا تحدها السنن الكونية المعتادة.
فضل الصبر والتوكل على الله.
أن الله يدافع عن أوليائه وينصرهم في الوقت المناسب.
أهمية التسليم لأوامر الله حتى وإن لم تتضح الحكمة منها في البداية.
تكشف آية ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ عن جانب من عظمة القرآن الكريم وإعجازه، فهي تجمع بين روعة البيان وعمق المعنى وقوة الدلالة، كما تبرز معجزة كلام عيسى عليه السلام في المهد، التي كانت برهانا على نبوته وبراءة أمه مريم عليها السلام. وتبقى هذه الآية شاهدا خالدا على قدرة الله المطلقة، ودعوة للمؤمنين إلى الثقة بربهم والتوكل عليه في كل الأحوال، فهو سبحانه القادر على أن يجعل من المحنة منحة، ومن الشدة فرجا، ومن المستحيل في نظر البشر حقيقة واقعة بأمره تعالى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | القرآن الكريم, اللطائف القرآنية, عيسى عليه السلام, مريم عليها السلام



