![]()
عبد أخجل سيده:
كلب يرجو خيري فلم أخيب رجاءه
كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ابن ذي الجناحين، وسليل بيت الكرم الذي ضرب به العرب المثل جيلًا بعد جيل، يسير يومًا في بعض حوائطه ونخيله، حين وقعت عيناه على مشهدٍ لم يكن يقصده، ولم يخطر له أن يقف عنده طويلًا: غلامٌ أسود، أجيرٌ أو عبدٌ يرعى ذلك البستان، جالسٌ إلى الأرض، وبين يديه أرغفةٌ قليلة لا تكاد تسدّ رمقًا، وهي كل زاده في يومه ذاك. وما كان لابن جعفر أن يلتفت إلى مثل هذا المنظر المتكرر في كل حقل وكل بستان، لولا أن كلبًا جاء من بعيد، فرمى إليه الغلام برغيفٍ من رغيفه القليل، ثم عاد الكلب فجاء ثانية، فرمى إليه برغيفٍ آخر، حتى تتابع الأمر ثلاث مرات أو أكثر، والغلام لا يتردد، ولا يُبقي لنفسه شيئًا يُذكر. فوقف عبد الله بن جعفر، وقد استوقفه هذا الإيثار العجيب ممن لا يملك من الدنيا رغيفه، وأراد أن يعرف سرّ هذا الكرم الغريب الصادر عن أفقر الناس.
الجوع ينطق بلغة الوفاء
دنا عبد الله بن جعفر من الغلام، وسأله: كم رغيفك في يومك هذا؟ فأجابه الغلام بما يكشف حقيقة الحال: إن هذه الأرغفة القليلة هي كل قوته، وليس له سواها. فازداد عجب ابن جعفر، وسأله عن سبب إيثاره الكلب بها وهو أحوج الناس إليها، فكان جواب الغلام هو الجوهرة التي خلّدت هذه الحكاية على مرّ العصور: قال إن هذا الكلب يأتيه من مكانٍ بعيد، راجيًا فيه خيرًا، فلم يُرد أن يخيّب رجاءه. كلماتٌ قليلة، خرجت من فمِ مَن لا يملك رغيفًا يشبعه، لكنها حملت من معاني الوفاء وحفظ الرجاء ما تعجز عن حمله خطبٌ طويلة، فالغلام لم ينظر إلى جوعه هو، بل نظر إلى أمل ذلك الحيوان الذي قطع مسافة ليصل إليه، فرأى أن خيبة أمله أشدّ عليه من خيبة بطنه.
دهشة الكريم أمام كرم لا يُشترى: حين يتغيّر ميزان القيمة
لم يكن عبد الله بن جعفر رجلًا عاديًا يمرّ بمثل هذا الموقف مرور الغافلين، بل كان رجلًا طبعه الجود، وسليقته الكرم، فلما سمع كلام الغلام، أدرك أنه أمام نفسٍ نبيلة لا تقاس بمقاييس المكانة الاجتماعية ولا بميزان المِلك والرقّ، فهذا العبد الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، قد بلغ من مكارم الأخلاق ما قد لا يبلغه كثيرٌ من الأحرار والسادة. فلم يستطع ابن جعفر أن يمرّ بهذا الموقف دون أن يكافئ صاحبه على خُلقه العظيم، فقصد سيد الغلام ومالك البستان، وساومه على شراء الغلام وشراء الحائط الذي يعمل فيه معًا، فاستجاب له صاحبهما وباعهما.
عتق يليق بخُلق كريم: حين يكافأ الوفاء بالحرية
وما إن تمّت الصفقة، وأصبح الغلام والبستان في ملك عبد الله بن جعفر، حتى بادر إلى ما يُشبه سجيته وطبعه الأصيل: أعتق الغلام لوجه الله، وأكرمه بأن وهبه البستان نفسه الذي كان بالأمس القريب أجيرًا فيه لا يملك من ثمره حبة، فإذا بالعبد الذي آثر كلبًا جائعًا على نفسه، يصبح سيدًا حرًّا مالكًا للأرض التي كان يرعاها بالأمس رقيقًا فيها. وهكذا اجتمع في هذا الموقف معنيان جليلان يتضافران: وفاءٌ نادر صدر عن أضعف الناس حالًا تجاه مخلوقٍ لا لسان له يشكره، وكرمٌ أصيل صدر عن سيّدٍ من سادة قريش لم يحتمل أن يرى مثل هذا الخُلق فيُهمله أو يمرّ عليه دون أن يرفع صاحبه إلى ما يستحقه من عزّ ومكانة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | العرب, ذي الجناحين, عبد الله بن جعفر, غلام أسود



