![]()
التيمم رخصة مرتبطة بالعذر
ومطلق السفر لا يبيحه
يعد التيمم من مظاهر التيسير التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، فقد شرعه الله تعالى بديلا عن الوضوء أو الغسل عند وجود عذر يمنع استعمال الماء. ومع اتساع وسائل السفر في العصر الحديث، قد يتساءل بعض المسلمين: هل مجرد السفر يبيح التيمم، أم أن هناك شروطا وضوابط لا بد من توافرها؟ والإجابة أن السفر وحده ليس سببا مستقلا لإباحة التيمم، وإنما يرتبط الحكم بوجود الأعذار التي نصت عليها الشريعة، سواء كان الإنسان مسافرا أو مقيما.
التيمم رخصة مرتبطة بالعذر
شرع الله التيمم رحمة بعباده، قال تعالى: “وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا”.
وتدل الآية على أن السفر وحده لا يكفي، بل لا بد مع السفر من فقد الماء أو تعذر استعماله. فلو كان المسافر يجد الماء ويستطيع استخدامه دون مشقة أو ضرر، وجب عليه الوضوء أو الغسل، ولم يجز له العدول إلى التيمم.
ولهذا قرر جمهور الفقهاء أن التيمم لا يشرع لمجرد وصف السفر، وإنما يشرع إذا اقترن السفر بسبب يبيح التيمم.
متى يباح للمسافر التيمم؟
هناك حالات يجوز فيها للمسافر أن يتيمم، من أهمها:
فقدان الماء بعد البحث عنه في المكان الذي نزل فيه.
وجود الماء مع الحاجة إليه للشرب، بحيث لو استعمله في الطهارة تعرض هو أو من معه للعطش.
العجز عن الوصول إلى الماء بسبب خطر أو مشقة شديدة.
المرض أو الإصابة التي يخشى معها زيادة الضرر باستعمال الماء.
شدة البرد إذا تعذر تسخين الماء، وكان استعماله يسبب ضررا محققا.
في هذه الأحوال يكون التيمم رخصة مشروعة، لأن العبرة بوجود العذر، وليس بمجرد السفر.
السفر ليس سببا مستقلا
قد يظن بعض الناس أن كل مسافر يجوز له التيمم، وهذا غير صحيح. فالمسافر الذي ينزل في فندق أو منزل أو محطة استراحة تتوافر فيها المياه بسهولة، لا يجوز له أن يترك الوضوء ويتيمم بحجة أنه مسافر.
وكذلك من يسافر بالطائرة أو القطار أو السيارة، فإذا تمكن من استعمال الماء قبل الصلاة أو أثناء وقتها دون مشقة غير معتادة، فإنه مطالب بالطهارة بالماء، لأن الأصل في الطهارة هو الوضوء أو الغسل.
أما إذا تعذر استعمال الماء حقيقة، أو خشي خروج وقت الصلاة قبل الوصول إلى مكان يتمكن فيه من الطهارة بالماء، فقد يشرع له التيمم بحسب حاله.
الحكمة من عدم ربط التيمم بالسفر وحده
لو كان السفر وحده مبيحا للتيمم لأصبح كل مسافر يترك الوضوء مع توافر الماء، وهذا يخالف مقصد الشريعة في المحافظة على الطهارة.
فالإسلام جعل الطهارة بالماء هي الأصل، وجعل التيمم بديلا عند الحاجة، ولذلك يدور الحكم مع وجود العذر وعدمه.
وهذا من دقة التشريع الإسلامي الذي يوازن بين أداء العبادة على أكمل وجه وبين رفع الحرج عن المكلفين.
كيفية التيمم الصحيحة
إذا تحقق سبب التيمم، فإنه يكون بضرب الكفين على صعيد طاهر له غبار، ثم مسح الوجه، ثم مسح الكفين، مع استحضار النية.
ولا يحتاج التيمم إلى تكرار الضربات على الراجح عند كثير من أهل العلم، كما أنه يبطل بكل ما يبطل الوضوء، ويبطل أيضا بزوال السبب الذي أبيح من أجله، كوجود الماء أو القدرة على استعماله.
أمثلة معاصرة
في الوقت الحاضر أصبحت وسائل السفر أكثر يسرا، وأصبحت المياه متوافرة في معظم المطارات ومحطات القطارات والطائرات الحديثة والفنادق وأماكن الاستراحة، ولذلك يقل الاحتياج إلى التيمم مقارنة بالأزمنة السابقة.
فمن كان في رحلة برية بعيدة ولم يجد ماء بعد البحث، جاز له التيمم والصلاة.
ومن كان في طائرة لا يستطيع استعمال الماء، وخشي خروج وقت الصلاة، فيجوز له التيمم إذا وجد ما يصح التيمم به وفق ما يقرره أهل العلم في هذه المسائل.
أما من يستطيع الوضوء بسهولة، فلا يتركه إلى التيمم، لأن الرخصة لا تستعمل إلا عند تحقق سببها.
التيسير المنضبط في الشريعة
تميزت الشريعة الإسلامية بأنها تجمع بين اليسر والانضباط، فلا تكلف الإنسان ما لا يطيق، وفي الوقت نفسه لا تفتح باب التوسع في الرخص بغير سبب. ولذلك فإن التيمم يعد من الرخص الشرعية التي لا يجوز استعمالها إلا عند تحقق شروطها.
فالمسافر كالمقيم في هذا الحكم، إذ لا يباح له التيمم لمجرد انتقاله من مكان إلى آخر، وإنما إذا فقد الماء أو تعذر استعماله لعذر معتبر شرعا.
وخلاصة القول أن مطلق السفر لا يبيح التيمم، وإنما يباح عند وجود السبب الذي نصت عليه الأدلة الشرعية، وهو فقد الماء أو العجز عن استعماله أو وجود ضرر معتبر. وبذلك يتحقق مقصد الشريعة في الجمع بين المحافظة على الطهارة، ورفع المشقة عن المسلمين، ليؤدوا عباداتهم على الوجه الذي يرضي الله تعالى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأدلة الشرعية, التيمم, السفر, الشريعة الإسلامية, الغسل, الوضوء



