![]()
«البسملة».. سبعة أحرف تحكمها علومٌ دقيقة
لا يكاد يُفتح مصحفٌ كريم، ولا تُتلى سورةٌ من سور القرآن العظيم، إلا وكانت البسملة على رأس ذلك كله؛ بسمٌ يُفتتح به الكلام، ونورٌ يُضاء به المقام. وقد أولى علماء التجويد هذه الجملة المباركة عنايةً فائقة، ورصدوا أحكامها رصدًا دقيقًا يُجلّي مواضع الوصل والفصل والابتداء بها. فهي وإن بدت في ظاهرها عبارةً مألوفة على كلّ لسان، إلا أنها في باطن علم القراءات تنطوي على دقائق وأسرار، تستوجب من القارئ وقفةً متأنّية وفهمًا متعمّقًا.
البسملة وأول السور: منزلة آية أم فاصلة؟
تقع البسملة في مفتتح كل سورة من سور القرآن الكريم ماعدا سورة التوبة، وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في طبيعة هذه الآية الكريمة؛ أهي آية مستقلة من كل سورة توضع في ابتدائها؟ أم هي آية واحدة من القرآن نزلت فاصلةً بين السور؟ وقد ذهب جمهور أهل الأداء والقراءات إلى أنها آية مستقلة في سورة الفاتحة، وأنها في سائر السور فاصل شريف نزل للتعليم والتبرك. وهذا الخلاف ليس ترفًا علميًا، بل له أثرٌ مباشر في الحكم على القارئ حين يصل البسملة بما قبلها أو يفصلها عما بعدها، إذ إن من يعدّها جزءًا من السورة يُوجب له الوصل في مقامات بعينها، في حين يُجيز من لا يعدها كذلك الفصل والابتداء في أحوال أوسع.
والأمر في هذا أدقّ مما يبدو في الوهلة الأولى؛ فالمسألة ليست مجرد رأي فقهي مجرّد، بل هي موصولة بطريقة الرواية والتلقّي الشفهي، وبما تعاهد عليه أهل القرآن جيلًا بعد جيل في حِلَق الإقراء ومجالس التحفيظ.
الأوجه الجائزة في الوصل والفصل بين السور
إن مما يتميز به علم التجويد عن سائر العلوم الشرعية أنه علمٌ تطبيقي قبل كل شيء؛ فأحكامه لا تُستقى من الكتب وحدها، بل لا بد من التلقي والمشافهة والأخذ عن ذوي الأسانيد. ومن أجلى ما يظهر فيه هذا الطابع التطبيقي: الأوجه الجائزة عند الانتقال من آخر سورة إلى بسملة السورة التالية، القارئوقد حصر العلماء المتصلون بهذا الفنّ هذه الأوجه في ثلاثة، تجري كالتالي:
الوجه الأول: القطع على آخر السورة، والابتداء بالبسملة، ثم الابتداء بأول السورة الجديدة، وهو أشهر الأوجه وأوسعها شيوعًا في التعليم. وفي هذا الوجه يأخذ القارئ نَفَسا جديدا بعد كل وقفة، مما يُعطي التلاوة هيبة وترتيلًا.
الوجه الثاني: وصل آخر السورة بالبسملة وقطعها عن أول السورة التالية، فيصير الكلام: “…وَلَا الضَّالِّينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، ثم يبتدئ بأول ما بعدها، وهذا الوجه جائزٌ مقبول، وإن كان يوحي ظاهره بأن البسملة تابعةٌ لما سبقها لا لما يليها، وهو ما يُنبّه إليه المشايخ في مجالس الإقراء.
الوجه الثالث: وصل الجميع دفعة واحدة، أي وصل آخر السورة بالبسملة بأول السورة التالية وصلا متواصلا، وهذا جائز هو الآخر، وإن كان يستلزم القدرة التامة على ضبط النَّفَس وإحكام مخارج الحروف في الانتقال بين الكلمات. أما الوجه المحظور الذي لا يجوز البتة، فهو قطع آخر السورة ووصل البسملة بأول التي تليها من غير وقف، لما في ذلك من الإيهام بأن البسملة تتعلق بما بعدها لا بما قبلها تعلقًا تامًا من غير فصل، مما يُخلّ ببيان مواضع الكلام.
البسملة في سورة النمل: آية قرآنية بلا خلاف
ولعلّ من أكثر ما يستوقف الدارس في هذا الباب أن البسملة وردت في موضع واحد داخل متن السورة لا في مطلعها، وذلك في سورة النمل الكريمة، في قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: “إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، وهنا تتجلى الفرادة، إذ اتفق العلماء قاطبةً على أن هذه البسملة آيةٌ قرآنية كريمة لا تحتمل خلافًا، وهي جزء لا يتجزأ من نسيج الآية الكريمة وسياقها القصصي البديع.
ومن الناحية التجويدية، فإن القارئ حين يمرّ بهذه الآية لا يقف عند البسملة وقفًا مستقلًا كما يفعل في مطالع السور، بل يصلها بما قبلها وما بعدها وصلًا يُتمّ به المعنى ويُكمل به السياق، وهذا من الفروق الجوهرية التي ينبه إليها أهل الإقراء؛ لأن في البسملة هنا حكايةً لكلام سليمان عليه السلام، لا تلاوةً مستأنفة بنية الافتتاح والتبرك.
البسملة وسورة التوبة: غياب دلّ على معنى
وإذا كانت البسملة قد تصدرت تسعا وعشرين ومائة سورة من سور القرآن الكريم، فإن سورة التوبة تنفرد بغياب البسملة عن مطلعها، وهو أمر لفت انتباه العلماء منذ القدم وشغل بالهم طويلًا. فقد روى الصحابة الكرام أن السبب في ذلك يعود إلى أن سورة التوبة نزلت بالسيف والبراءة والإعلان بنقض المعاهدات، فكان من الهيبة والجلال ألّا تُفتتح بما يدلّ على الرحمة والرأفة في ظاهر اللفظ.
وفي ضوء هذا الغياب وضع العلماء حكما تجويديا خاصا يتعلق بالانتقال إلى سورة التوبة؛ فإذا أنهى القارئ سورة الأنفال وأراد الشروع في سورة التوبة، فإنه يجوز له أحد ثلاثة أوجه: الوقف على آخر الأنفال ثم الابتداء بأول التوبة بلا بسملة، أو الوصل بينهما من غير بسملة ولا وقف، أو السكت وهو الوقف اللطيف من غير تنفّس ثم الابتداء بأول التوبة. وقد أجمع علماء القراءات على أنه لا يجوز البتة الإتيان بالبسملة في مستهل سورة التوبة، لما في ذلك من مخالفة صريحة لما نقله الصحابة وتلقّاه أهل القرآن بالقبول جيلًا بعد جيل.
وتبقى البسملة في القرآن الكريم علامةً جليّة على عناية الله بكتابه، وإشارةً بليغة إلى أن التلاوة ليست مجرد تحريك للسان بحروف مرقومة، بل هي سلوكٌ مع آداب محفورة في صخر الرواية والتواتر، لا يُصل إليها إلا بالإخبات والصحبة لأهل القرآن.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | البسملة, العلوم الشرعية, القارئ, القرآن الكريم, سورة النمل



