![]()
بانجسامورو تعيد تنظيم الأوقاف الإسلامية لحماية أصولها وتعزيز استدامتها
تتجه سلطات إقليم بانجسامورو ذي الحكم الذاتي جنوب الفلبين إلى تطوير منظومة إدارة الأوقاف الإسلامية، من خلال إعداد دليل شامل يضع ضوابط قانونية وإدارية وشرعية لحماية الممتلكات الوقفية وتنمية مواردها، بما يعزز قدرة المؤسسات الإسلامية على إدارة شؤون المجتمع وتحقيق الاستدامة المالية والاجتماعية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مرحلة جديدة يعيشها المسلمون في جنوب الفلبين، مع بناء مؤسسات الحكم الذاتي وتوسيع صلاحياتها في إدارة الموارد والشؤون المجتمعية، بما يجعل تنظيم الأوقاف أحد الملفات المهمة المرتبطة بالاستقلال الإداري وتعزيز دور المؤسسات الدينية والتنموية.
أربعة محاور لبناء منظومة متكاملة للأوقاف
وأعلنت دار الإفتاء في إقليم بانجسامورو، بالتعاون مع شركة «M&T Consultants Islamic Co»، بدء إعداد دليل شامل لتنظيم الأوقاف الإسلامية، خلال ورشة عمل عقدت يومي 22 و23 أكتوبر 2026، في بلدية داتو أودين سينسوات بمقاطعة ماغوينداناو الشمالية.
ووفقا لما نشرته دار الإفتاء عبر صفحتها الرسمية في 31 أكتوبر 2026، يستهدف المشروع وضع معايير وإجراءات عملية لإدارة الممتلكات الوقفية، وحماية أصولها من الإهمال أو سوء التصرف، والعمل على تنمية مواردها، وضمان وصول منافعها إلى المستفيدين وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين المعمول بها.
ويرتكز الدليل المقترح على أربعة محاور رئيسية، تمثل منظومة مترابطة لإدارة الوقف، تبدأ بتحديد الإطار القانوني والمؤسسي، مرورا بحماية الأصول وتنميتها، وصولا إلى الرقابة الشرعية وضمان الاستدامة والأثر الاجتماعي.
ويشمل المحور الأول وضع الإطار القانوني والمؤسسي للأوقاف، من خلال تحديد المسؤوليات والصلاحيات والإجراءات المنظمة لعمل الجهات المعنية، بما يمنع تضارب الاختصاصات ويعزز وضوح آليات الإدارة.
أما المحور الثاني فيركز على حشد الأصول الوقفية وحمايتها وتنميتها، عبر البحث عن وسائل عملية للمحافظة على الممتلكات الموقوفة وتعظيم الاستفادة من مواردها، دون الإخلال بطبيعة الوقف وأحكامه الشرعية.
ويتناول المحور الثالث تنظيم الإدارة والرقابة الشرعية والمساءلة، من خلال ترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، وضمان الالتزام بالضوابط الشرعية والإدارية في إدارة الأموال والممتلكات الوقفية.
فيما يركز المحور الرابع على إدارة المستفيدين والاستدامة والأثر الاجتماعي، لضمان وصول عوائد الأوقاف إلى مستحقيها، وتحويلها إلى موارد تنموية مستمرة تخدم المجتمع المسلم عبر الأجيال.
تقييم الواقع الوقفي ورصد الثغرات المؤسسية
ولم تقتصر ورشة العمل على وضع التصورات النظرية، بل تضمنت تقييما للممارسات الوقفية القائمة في الإقليم، ورصد الثغرات والاحتياجات المؤسسية، ومناقشة الإجراءات التي يمكن أن تسهم في تحسين إدارة الممتلكات وحمايتها.
وشهد اليوم الثاني جلسات عمل استعرض خلالها المشاركون نتائج المناقشات والمقترحات، وقدموا توصيات بشأن الأحكام والمعايير التي ينبغي أن يتضمنها الدليل النهائي.
وتكشف هذه الخطوات عن توجه نحو الانتقال من إدارة الأوقاف بصورة تقليدية إلى بناء منظومة مؤسسية أكثر تنظيما، تعتمد على وضوح المسؤوليات والرقابة والمحاسبة، وتتعامل مع الوقف باعتباره موردا مجتمعيا طويل الأجل، وليس مجرد أصول مخصصة للإنفاق الخيري.
مشروع قانون لتأسيس لجنة أوقاف بانجسامورو
وتتزامن هذه التحركات مع جهود تشريعية تستهدف وضع إطار رسمي لتنظيم الأوقاف الإسلامية، حيث طُرح أمام برلمان الإقليم مشروع القانون رقم 337، الذي يتضمن إنشاء آلية لتسجيل الأوقاف وإدارتها والإشراف عليها، إلى جانب تأسيس «لجنة أوقاف بانغسامورو» وتوفير الموارد المالية اللازمة لقيامها بمهامها.
ولا يزال المشروع في مرحلة القراءة الأولى، ولم ينتقل بعد إلى المراحل التشريعية التالية، وهو ما يمنح الدليل الجاري إعداده أهمية إضافية، باعتباره خطوة تمهيدية يمكن أن تسهم في بلورة المعايير والإجراءات التي تحتاج إليها المنظومة الوقفية الجديدة.
وفي هذا الإطار، أكد مفتي بانغسامورو الشيخ عبد الرؤوف جيالاني أهمية مراجعة القواعد المنظمة للأوقاف ووضع ضوابط واضحة قبل البدء في تنظيم إدارتها.
من جانبه، شدد الشيخ جمال الدين إسماعيل، رئيس قسم الفتوى بدار الإفتاء، على أن الوقف ليس مجرد عمل خيري، وإنما أمانة شرعية تتطلب إدارة مسؤولة، وحماية الممتلكات الموقوفة، واحترام شروط الواقفين، وضمان توزيع المنافع وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
واستشهد بقوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 92: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، تأكيدا للقيمة الدينية والإنسانية للوقف والإنفاق في وجوه الخير.
الدليل الجديد خطوة نحو استدامة الأوقاف
ومن المقرر أن تستكمل دار الإفتاء وشركة «M&T» إعداد الدليل الشامل، تمهيدا لرفعه إلى برلمان بانغسامورو أو مكتب رئيس الوزراء لمراجعته والنظر في اعتماده، مع الاستفادة منه في تطوير التشريعات المنظمة للأوقاف بدعم من أعضاء البرلمان.
وتكتسب مشاركة دار الإفتاء أهمية خاصة بالنظر إلى دورها الديني والاستشاري في تقديم التوجيه الإسلامي والمساهمة في صياغة السياسات المرتبطة بشؤون المسلمين في الإقليم.
وتستند فلسفة الوقف الإسلامي إلى المحافظة على أصل المال الموقوف، سواء كان عقارا أو أموالا نقدية أو أسهما، وتخصيص منافعه للأغراض التي حددها الواقف، بما يضمن استمرار الانتفاع به وعدم ضياع مقصده.
ومن هنا، فإن أهمية التجربة في بانغسامورو لا تتوقف عند إعداد دليل إداري جديد، بل تمتد إلى تأسيس نموذج مؤسسي قادر على حماية الثروة الوقفية، وتعزيز الثقة في إدارتها، وتحويل عوائدها إلى رافد مستدام للتنمية وخدمة المجتمع المسلم، بما يواكب تطلعات مرحلة الحكم الذاتي الموسع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إقليم بانجسامورو



