![]()
«وَلا يَئُودُهُ».. حفظ الله للكون بلا تعب أو مشقة
وردت كلمة “يَئُودُهُ” في قول الله تعالى في آية الكرسي:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
وهذه الآية العظيمة جاءت في سياق بيان كمال صفات الله سبحانه وتعالى، وعظمته، وسعة ملكه، وقدرته التي لا يحدها شيء، أما كلمة “يَئُودُهُ” فهي من الألفاظ القرآنية البليغة التي تحمل معنى عميقًا، ومعناها: يثقله أو يجهده أو يشق عليه.
فمعنى الآية: أن حفظ الله للسماوات والأرض لا يسبب له تعبا ولا مشقة، ولا يحتاج في تدبير خلقه إلى جهد أو عناء، لأن الله سبحانه كامل القدرة، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
التفسير الإجمالي للآية الكريمة
توضح الآية أن الله عز وجل هو الحي القيوم، القائم على شؤون خلقه، المتصرف في ملكه، وأن السماوات والأرض وما فيهما تحت تدبيره وحفظه.
فبعد أن ذكر الله تعالى سعة كرسيه الذي وسع السماوات والأرض، بين أن هذا الملك العظيم لا يثقل عليه حفظه، فقال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي لا يعجزه ولا يرهقه حفظ السماوات والأرض.
وهذا المعنى يرسخ في قلب المؤمن اليقين بأن قدرة الله سبحانه ليست كقدرة البشر، فالبشر مهما بلغت قوتهم يحتاجون إلى الراحة، وقد يصيبهم التعب عند القيام بالأعمال الكبيرة، أما الله جل جلاله فهو المنزه عن الضعف والنقص.
لطيفة لغوية في كلمة “يَئُودُهُ”
اختيار هذا اللفظ في القرآن الكريم يحمل دقة كبيرة؛ لأن مادة “آدَ يَئُودُ” في اللغة العربية تدل على الثقل والمشقة، ومن ذلك قول العرب: “آده الأمر” أي أثقله وأتعبه.
فجاء التعبير القرآني ليبين أن حفظ هذا الكون كله، بما فيه من عظمة واتساع، لا يمثل شيئا من المشقة بالنسبة إلى قدرة الله تعالى.
وهذه الكلمة القصيرة تحمل معنى واسعا؛ فهي تنفي عن الله كل عجز، وتثبت له كمال القدرة والقوة.
ارتباط الكلمة بعظمة الله وقدرته
تأتي كلمة “يَئُودُهُ” بعد الحديث عن السماوات والأرض، وهما من أعظم مخلوقات الله التي تدل على عظمته، فالإنسان حين يتأمل اتساع الكون وضخامة المخلوقات يدرك محدودية قدرته، لكنه يعلم في الوقت نفسه أن هذا كله قائم بأمر الله وتحت حفظه ورعايته.
فالنجوم والمجرات، والليل والنهار، والبحار والجبال، وكل ما في الكون، لا يخرج عن علم الله وتدبيره، ومع ذلك لا يلحقه تعب ولا نقص.
الإعجاز في التعبير القرآني
من لطائف التعبير في الآية أن القرآن لم يقل فقط: “ولا يعجزه حفظهما”، بل اختار قوله: “ولا يئوده حفظهما”، لأن لفظ “يئوده” يشمل معنى أوسع؛ فهو ينفي التعب والثقل والمشقة، ويبين أن حفظ الله للكون أمر قائم على الكمال المطلق.
كما أن التعبير يلفت النظر إلى الفرق بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق، فالمخلوق مهما أوتي من قوة تبقى قدرته محدودة، أما قدرة الله سبحانه فهي مطلقة لا يعتريها ضعف.
أثر الإيمان بمعنى الآية في حياة المسلم
الإيمان بأن الله لا يئوده حفظ السماوات والأرض يمنح الإنسان طمأنينة عظيمة، لأنه يعلم أن من يتولى أمر الكون كله قادر على رعايته وحفظه وتدبير شؤونه.
كما يدفع هذا المعنى المؤمن إلى حسن التوكل على الله، والثقة بحكمته، واليقين بأن تدبير الله لا يعتريه خلل أو اضطراب.
فإذا كان الله سبحانه يحفظ هذا الكون الواسع بلا تعب ولا مشقة، فإن رعاية عباده والعناية بهم أهون في قدرته سبحانه، فهو الرحيم بخلقه، العالم بأحوالهم.
آية الكرسي بين التوحيد وتعظيم الخالق
تعد آية الكرسي من أعظم آيات القرآن الكريم، لاشتمالها على معاني التوحيد، وبيان أسماء الله وصفاته، وإظهار كمال حياته وقيوميته وعلمه وقدرته.
وتأتي كلمة “يَئُودُهُ” كجزء من هذا البناء العظيم، لتؤكد أن الله سبحانه لا يعجزه شيء، وأن ملكه قائم على قدرة لا يحدها زمان ولا مكان.
وهكذا تكشف هذه الكلمة القرآنية عن جانب من بلاغة القرآن ودقة ألفاظه، فلفظ واحد يحمل معنى عظيمًا يفتح باب التأمل في عظمة الخالق سبحانه، ويزيد القلب إيمانا ويقينا بقدرته وحكمته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آية الكرسي, السماوات والأرض, سورة البقرة, يئوده حفظهما



