![]()
مسجد باريس الكبير يرسم ملامح جديدة لدور الأئمة في فرنسا
حدد عميد مسجد باريس الكبير، شمس الدين حفيظ، أولويتين أساسيتين لعمل الأئمة خلال المرحلة المقبلة، تتمثلان في فهم واقع المسلمين واحتياجاتهم، وتعزيز جسور التواصل مع المجتمع الفرنسي بمختلف مكوناته، بما يسهم في تقديم خطاب ديني قريب من حياة المسلمين، وترسيخ صورة الإسلام باعتباره مصدرا للسلام والمسؤولية والإحسان.
وجاءت هذه التوجيهات خلال اجتماع عقده حفيظ مع أئمة المسجد، في إطار توجه المؤسسة إلى تطوير رسالتها الدينية والمجتمعية مع بداية مئويتها الثانية، بعد مرور مئة عام على تأسيسها عام 1926، باعتبارها واحدة من أبرز المؤسسات الإسلامية في فرنسا وأوروبا.
أولويتان أساسيتان لرسالة الأئمة
أكد عميد مسجد باريس الكبير أن مسؤولية الأئمة في فرنسا تقوم على مسارين متكاملين؛ أولهما الاهتمام بالمسلمين وفهم واقعهم ومشكلاتهم، وتقديم خطاب ديني يستجيب لاحتياجاتهم اليومية، وثانيهما الانفتاح على المجتمع الفرنسي وتعريفه بالقيم الإسلامية، بما يعزز التفاهم والاحترام المتبادل.
وتعكس هذه الرؤية إدراكا لطبيعة الدور الذي تؤديه المؤسسات الدينية في المجتمعات متعددة الثقافات، إذ لم يعد دور الإمام مقتصرا على إمامة الصلوات وإلقاء الدروس، بل أصبح مطالبا بالتفاعل مع قضايا المجتمع، والمساهمة في تعزيز الاستقرار والتماسك الاجتماعي.
وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة في ظل المكانة التاريخية لمسجد باريس الكبير، الذي يمثل مركزا دينيا وثقافيا للمسلمين في فرنسا، وتتجاوز رسالته إقامة الشعائر إلى خدمة المجتمع المسلم وتعزيز حضوره الإيجابي في محيطه.
فهم احتياجات المسلمين وتطوير الخطاب الديني
وشدد حفيظ على أن المسلمين في فرنسا يحتاجون إلى أئمة يفهمون واقعهم، ويخاطبونهم بلغتهم، ويساعدونهم على الارتقاء وبعث الطمأنينة في نفوسهم، بما يجعل الخطاب الديني أكثر ارتباطا بتحديات حياتهم اليومية.
وتضع هذه الرؤية التواصل المباشر مع أفراد المجتمع المسلم في صدارة مسؤوليات الإمام، من خلال فهم احتياجات الأسر والشباب والأطفال، والتعامل مع القضايا التي تشغلهم، وتقديم التوجيه الديني بأسلوب يجمع بين وضوح الرسالة ومراعاة طبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية.
وفي هذا السياق، أكد عميد المسجد أهمية إتقان الأئمة اللغة الفرنسية، باعتبارها أداة أساسية للتواصل الفعال، وتمكينهم من التعبير عن تعاليم الإسلام بصورة واضحة وقريبة من مختلف الفئات، سواء داخل المساجد أو في محيطهم المجتمعي.
التواصل مع المجتمع الفرنسي وتصحيح الصورة
أما الأولوية الثانية، فتتمثل في بناء جسور التواصل مع المجتمع الفرنسي بمختلف مكوناته، وتقديم صورة تعكس القيم الإنسانية للإسلام، بعيدا عن الصور النمطية وسوء الفهم.
وأوضح حفيظ أن المجتمع الفرنسي يحتاج إلى أن يرى في الإسلام مصدرا للسلام والمسؤولية والإحسان، مؤكدا أن الأئمة مطالبون بحمل هذه الرسالة إلى جانب مسؤوليتهم الدينية تجاه المسلمين.
ويعكس هذا التوجه تصورا لدور الإمام باعتباره حلقة وصل بين المجتمع المسلم ومحيطه، من خلال تعزيز الحوار والتفاهم، وإبراز القيم المشتركة التي تساعد على ترسيخ التعايش والاحترام المتبادل، دون التفريط في الهوية الدينية.
المواطنة والأسرة والحوار في خطب الجمعة
ودعا عميد مسجد باريس الكبير الأئمة إلى مواصلة تناول عدد من القضايا الأساسية في خطب الجمعة، وفي مقدمتها المواطنة والأخوة والحوار بين الأديان والتماسك الاجتماعي، إلى جانب مسؤولية الوالدين في تربية الأطفال وتنشئتهم.
وتستهدف هذه الموضوعات ربط الخطاب الديني بالقضايا التي تمس حياة المسلمين، وتقديم توجيهات عملية تستند إلى القيم الإسلامية، بما يعزز دور خطبة الجمعة في التوعية والتربية وبناء العلاقات الإيجابية داخل المجتمع.
كما أكد ضرورة الاستمرار في الدعاء لفرنسا في ختام خطب الجمعة، وهو تقليد بدأ مسجد باريس الكبير العمل به منذ يناير 2025، ويعكس اهتمام المؤسسة بتعزيز العلاقة بين المسلمين ووطنهم، وترسيخ معاني الانتماء والمسؤولية المجتمعية.
مصحف المئوية وتقدير جهود الأئمة
وشهد الاجتماع تسليم الأئمة نسخا من إصدار خاص للمصحف الشريف، أنجزه مسجد باريس الكبير بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسه، وجاء بخط الخطاط محمد بن سعيد شريفي، في مبادرة تحمل دلالة دينية وتراثية مرتبطة بتاريخ المؤسسة ورسالتها.
كما أعرب حفيظ عن تقديره لجهود الأئمة وتفانيهم في خدمة المسلمين والمجتمع الفرنسي، مشيدا بما يقومون به من مسؤوليات دينية وتربوية ومجتمعية.
ويؤكد هذا اللقاء أن دخول مسجد باريس الكبير قرنه الثاني لا يرتبط بالاحتفاء بذكرى التأسيس وحدها، بل يمثل مناسبة لمراجعة دوره وتطوير أدواته، من خلال إعداد أئمة أكثر قدرة على فهم احتياجات المسلمين والتواصل مع المجتمع الفرنسي، بما يحافظ على الهوية الإسلامية ويعزز قيم الحوار والتعايش.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | مسجد باريس



