![]()
برنامج الترسيخ العلمي بالأزهر
يستعرض أسرار النظم القرآني في آية القصاص
تواصل هيئة كبار العلماء بمشيخة الأزهر الشريف فعاليات برنامج الترسيخ العلمي في العلوم العربية والشرعية، المخصص للسادة أعضاء الهيئة المعاونة بكليات جامعة الأزهر، من خلال سلسلة من المحاضرات العلمية المتخصصة التي تستهدف تعزيز التأصيل العلمي والارتقاء بالمعارف الشرعية واللغوية لدى المشاركين.
وفي هذا الإطار، ألقى الأستاذ الدكتور حسن وتد، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، محاضرة علمية تناول خلالها كتاب “إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم” للعلامة أبي السعود العمادي، متوقفا عند عدد من المعاني الدقيقة والأسرار البلاغية التي يكشف عنها النظم القرآني في آية القصاص الواردة في سورة البقرة.
قراءة علمية في آية القصاص
ركزت المحاضرة على قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى”، حيث تناول المحاضر ما تحمله الآية الكريمة من دلالات تشريعية وبلاغية، مبينا أن حكم القصاص شرعه الله تعالى لحفظ النفوس وصيانة المجتمعات، وتحقيق العدل ومنع الاعتداء والظلم.
وأوضح أن خطاب المؤمنين في مطلع الآية يحمل معنى التشريف والتنبيه إلى ضرورة امتثال أمر الله تعالى، فيما تناول تفسير أبي السعود جوانب النظم القرآني وما يرتبط به من دقة في اختيار الألفاظ والتراكيب، بما يكشف عن أبعاد المعنى الذي تحمله الآية الكريمة.
وعند قوله تعالى: “كتب عليكم القصاص في القتلى”، بينت المحاضرة أن لفظ “كتب” يفيد الفرض والإيجاب، وأن اختيار هذا التعبير يشير إلى أهمية حكم القصاص ومكانته، كما يتضمن معنى التوثيق والإلزام. وأكدت أن القصاص ليس مجرد عقوبة، وإنما تشريع يهدف إلى ردع الجريمة وحماية الأرواح ومنع انتشار الفساد والظلم.
العدل والمساواة في القصاص
وتناولت المحاضرة قوله تعالى: “الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى”، موضحة أن هذه الآية جاءت لتصحيح ممارسات كانت شائعة في الجاهلية، حيث كان الاعتداء يتجاوز القاتل إلى غيره، وقد يقتل أكثر من شخص بسبب مكانة القتيل أو انتمائه.
وأبرزت القراءة التفسيرية أن التشريع القرآني وضع قاعدة واضحة في تحقيق العدالة والمساواة، وربط القصاص بالجاني الحقيقي، بما يمنع التعدي ويحول دون توسيع دائرة الدماء والثأر، ويؤسس لنظام يحفظ الحقوق ويصون حياة أفراد المجتمع.
فتح باب العفو والرحمة
كما تناول الأستاذ الدكتور حسن وتد قوله تعالى: “فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان”، موضحا أن الآية تفتح بابا للعفو والصلح وقبول الدية، بعد أن قررت أصل القصاص.
وتوقف عند وصف القاتل بأنه “أخ” لولي الدم، مشيرا إلى ما يحمله هذا التعبير من دلالة على بقاء رابطة الأخوة الإنسانية والإيمانية، وما فيه من تحريك لمعاني الرحمة والعطف، وتشجيع على التسامح ونبذ الانتقام.
كما أبرزت المحاضرة دلالة التعبير القرآني في الحث على “المعروف” و”الإحسان”، بما يوجه طرفي النزاع إلى سرعة إنهاء الخلاف، والابتعاد عن التشدد والمماطلة، سواء في دفع الدية أو المطالبة بها، بما يحفظ استقرار المجتمع ويغلق أبواب الخصومة.
تخفيف ورحمة من الله
وتناولت المحاضرة قوله تعالى: “ذلك تخفيف من ربكم ورحمة”، حيث أوضح تفسير أبي السعود أن تخيير هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو يمثل مظهرا من مظاهر رحمة الله تعالى وتيسيره.
وبينت المحاضرة أن التشريع الإسلامي جمع بين تحقيق العدالة وفتح باب الرحمة، بما يراعي أحوال الناس ويحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس ورفع الضرر، ويقدم نظاما متوازنا يجمع بين الحزم في مواجهة الجريمة والتيسير عند إمكان الصلح والعفو.
تحذير من تجاوز حدود التشريع
وفي ختام تناول الآية، توقف المحاضر عند قوله تعالى: “فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم”، مبينا أن الآية تحذر من تجاوز حدود الحكم الشرعي بعد صدوره، سواء بالاعتداء على غير القاتل أو قتل من عفي عنه أو أخذت منه الدية.
وتؤكد الآية بذلك أن القصاص في المنظور القرآني ليس مجالا للثأر أو الانتقام، وإنما نظام شرعي لتحقيق العدل وحماية الدماء. كما تجمع في الوقت نفسه بين صيانة الحقوق وفتح أبواب العفو والإحسان، بما يؤكد أن المقصد النهائي هو حفظ المجتمع وإرساء الأمن والرحمة ومنع الظلم والعدوان.
ويواصل برنامج الترسيخ العلمي دوره في تعميق الدراسة المتخصصة للعلوم العربية والشرعية، وربط المعرفة النظرية بالبحث والتحليل، بما يسهم في إعداد كوادر علمية مؤهلة قادرة على التعامل مع النصوص الشرعية بفهم دقيق ومنهج علمي راسخ.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأزهر الشريف, الإعجاز التشريعي في القرآن, القصاص, جامعة الأزهر, هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف



