ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
هذه الرؤيا فرصة لمراجعة قلبك، فجدد صلتك بالله، وأكثر من الطهارة الظاهرة والباطنة؛ فكما كان الماء في المنام رمزًا للنظافة، فإن القلب يحتاج إلى غسله من الأحقاد، واللسان يحتاج إلى تطهيره من الغيبة، والعمل...
ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب

ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب

س
رأيت في المنام والدتي -رحمها الله- وكانت تقف مع جمع من الناس، وكأننا في حديقة منزلنا أو في فناء واسع نستعد لأمر مهم. ثم جاء أحد الحاضرين بإناء كبير مملوء بالماء لنستخدمه في الطهارة والتنظيف، فقلت لمن حولي: إن هذا الماء هو الماء الذي غُسِّل به ابن خالي المتوفى، وكان قد توفي في الواقع قبل والدتي بعدة أشهر. لكن أمي بادرت بحماس وقالت: "إنه طاهر، وماء غسله طاهر". فما دلالة هذه الرؤيا؟ وهل تحمل رسالة تتعلق بحال المتوفَّيين أو دعوة إلى أمر معين؟
جــــ

هذه الرؤيا -إن شاء الله- يغلب عليها طابع البشارة والطمأنينة، ولا يظهر فيها ما يدعو إلى الخوف أو القلق، إذ إن رموزها تدور حول الطهارة والرحمة وحسن الذكر، وهي معانٍ تتكرر في كثير من الرؤى التي يرى فيها الإنسان بعض أحبته ممن انتقلوا إلى رحمة الله.

وأول ما يلفت النظر في الرؤيا هو اجتماع الأم المتوفاة مع جماعة من الناس في مكان واسع يشبه الحديقة أو الفناء. والأماكن الفسيحة في الرؤى كثيرًا ما ترمز إلى السعة بعد الضيق، وإلى انكشاف الهموم، كما أن وجود المتوفى في هيئة مطمئنة وبين الناس، من غير مظاهر فزع أو ألم، يعد من العلامات التي تبعث على حسن الظن بحاله، وإن كان الحكم الحقيقي على مصير العباد عند الله وحده، ولا تُبنى عليه عقائد أو أحكام قطعية، فالرؤيا تبقى من المبشرات وليست مصدرًا للحكم على الغيب.

أما الماء، فهو من أبلغ رموز الخير في تعبير الرؤى؛ إذ جعله الله سبحانه أصل الحياة، وجعل به الطهارة الحسية والمعنوية. فإذا كان الماء معدًّا للنظافة والتطهر، دل ذلك على معانٍ من التنقية، وإزالة الهموم، وصفاء القلب، وتجدد الأمل.

غير أن الرمز الأبرز في هذه الرؤيا هو قول الرائي: “هذا ماء غسل ابن خالي المتوفى”، ثم مبادرة الأم إلى القول بحماس: “إنه طاهر، وماء غسله طاهر.”

وهنا ينبغي الالتفات إلى أن الرؤى لا تُفسَّر بظاهر الألفاظ وحده، بل بما تشير إليه من المعاني. فالغُسل الشرعي للميت عبادةٌ يقصد بها تكريمه قبل انتقاله إلى قبره، وهو من آخر ما يُصنع للمؤمن في الدنيا، ولذلك ارتبط في الوجدان بمعاني التكريم، والدعاء، والوداع الكريم.

ولعل تأكيد الأم على طهارة هذا الماء ليس المقصود منه بيان حكم فقهي؛ فالأحكام الشرعية تؤخذ من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، لا من المنامات. وإنما يبدو أن الرؤيا تستخدم هذا الرمز لتبعث برسالة معنوية، مضمونها أن هذا المتوفى يُذكر بالخير، وأنه خرج من الدنيا بعد أن أُديت له شعائر التكريم التي شرعها الله لعباده، وأن الأولى بأهله أن يستبدلوا الحزن بالدعاء، والقلق بالرجاء.

كما أن الحماس الذي ظهر في كلام الأم له دلالته؛ إذ لم تقل العبارة على سبيل التصحيح المجرد، وإنما قالتها بثقة وارتياح، وكأنها تريد إزالة ما قد يكون استقر في نفس الرائي من رهبة مرتبطة بالموت، أو شعور بالحزن على فقد الأحبة. وكأن الرؤيا تذكِّره بأن المؤمن لا يقف عند صورة الموت، وإنما ينظر إلى ما بعده من رحمة الله الواسعة، وأن التكريم الحقيقي إنما يكون بحسن الخاتمة، ورحمة الله التي وسعت كل شيء.

ومن زاوية نفسية، قد يكون العقل الباطن قد جمع بين شخصين عزيزين على قلب الرائي؛ أمه وابن خاله، لكون وفاتهما كانت متقاربة زمنيًا، وما زالت ذكراهما حاضرة في النفس. وعندما يشتاق الإنسان إلى من فقدهم، قد تأتي الرؤى لتعيد ترتيب هذه المشاعر في صورة مطمئنة، فيرى الراحلين في أحوال تبعث على السكينة، وهو ما يخفف من وطأة الفقد ويمنح القلب شيئًا من السلوى.

وفي الرؤيا أيضًا إشارة لطيفة إلى أن أفضل ما يصل إلى الأموات ليس الانشغال بتأويل أحوالهم، وإنما الإكثار لهم من الدعاء والاستغفار، والصدقة عنهم، وصلة أرحامهم، وذكر محاسنهم بين الناس. فهذه الأعمال هي التي تنفع بإذن الله، أما الرؤى فتبقى بشائر تُفرح المؤمن ولا تغنيه عن العمل الصالح.

ومن المناسب كذلك أن يتخذ الرائي من هذه الرؤيا فرصة لمراجعة قلبه، فيجدد صلته بالله، ويكثر من الطهارة الظاهرة والباطنة؛ فكما كان الماء في المنام رمزًا للنظافة، فإن القلب يحتاج إلى غسله من الأحقاد، واللسان يحتاج إلى تطهيره من الغيبة، والعمل يحتاج إلى تنقيته من الرياء، وهذه هي الطهارة التي يبقى أثرها في الدنيا والآخرة.

 

ذات صلة
 كيف نعلّم أبناءنا الترفع دون أن نطلب منهم ابتلاع الإهانة؟
كيف نحمي أبناءنا من الإهانة دون أن نزرع في قلوبهم الحقد؟ وكيف نعلّمهم صلة الرحم دون أن نطلب منهم أن يعتادوا...
المزيد »
قلبك انتصر للإنسان ودافع عن الفطرة
عيادة الأسنان، بما فيها من معنى العلاج والإصلاح، فقد تكون دعوة إلى التعامل مع القلق بطريقة صحية: لا بالاستسلام...
المزيد »
روحك تستعيد بوصلتها وتأنس برحابة المسجد رغم ضيق النعل
ظهور الشخصيات العامة في المنام لا يعني بالضرورة تعلق الرؤيا بذواتهم أو بما سيقع لهم، بل قد تكون الشخصية...
المزيد »
سرعة ضربات القلب..
تُعد سرعة ضربات القلب أو الشعور بالخفقان من الأعراض الشائعة التي قد يمر بها الإنسان في أوقات مختلفة،...
المزيد »
إنستجرام يطرح إعدادات جديدة لحماية صور المستخدمين من الذكاء الاصطناعي
أعلنت منصة إنستجرام عن إطلاق مجموعة من إعدادات الخصوصية الجديدة، التي تهدف إلى منح المستخدمين قدرة أكبر...
المزيد »
فقدان الأصدقاء والأحبة وأثره النفسي على كبار السن
يمثل فقدان الأصدقاء والأحبة تجربة إنسانية مؤلمة في مختلف مراحل العمر، غير أن أثرها قد يكون أكثر عمقا...
المزيد »
لماذا يحتاج الأحفاد إلى وجود الأجداد في حياتهم؟
يمثل الأجداد حضورا مميزا في حياة الأسرة، فهم ليسوا مجرد جيل أكبر سنا، بل يشكلون جسرا يربط الأحفاد بتاريخ...
المزيد »
الرضا والقناعة.. مفتاح السكينة والاستقرار في الحياة الزوجية
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على مجموعة من القيم والمبادئ التي تحفظ المودة بين الزوجين، وتساعدهما على...
المزيد »
الرجل بين متطلبات الزوجة ومسؤوليات الأسرة.. التوازن يصنع الاستقرار
تمثل الأسرة الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، ويقع على عاتق الزوجين دور كبير في تحقيق استقرارها والحفاظ...
المزيد »
الغيرة الزوجية..
الغيرة الزوجية من المشاعر الفطرية التي أودعها الله تعالى في النفس البشرية، وهي في أصلها دليل على المحبة...
المزيد »
المقارنات الاجتماعية السلبية..
أصبحت المقارنات الاجتماعية من أبرز الظواهر التي تؤثر في الشباب في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي،...
المزيد »
حقوق الطفل في الإسلام
اهتم الإسلام بالطفل اهتماما بالغا، وجعل رعايته من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الوالدان والمجتمع، إذ...
المزيد »
البيت المسلم
البيت المسلم هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فمنه تنطلق القيم، وتتكون الشخصيات، وتنشأ الأجيال التي...
المزيد »
غرس القيم الإسلامية
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الطفل معارفه، ويكتسب منها...
المزيد »
تبدو مشبعا بمشاعر الفقد والاشتياق وحب الوالدين
توفي والدي منذ مدة، ورأيته في المنام كأنه ما يزال حيًّا بيننا، إلا أن إحدى قدميه كانت مصابة إصابة شديدة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك