![]()
ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب
- الأسرة المسلمة
- تفسير الأحلام
- يفسرها في ضوء الكتاب والسنة
- / محمد طاهر
محمد الشرشابي
ماء الغُسل الطاهر .. رسائل الرحمة وطمأنينة القلب
- تفسير الأحلام
هذه الرؤيا -إن شاء الله- يغلب عليها طابع البشارة والطمأنينة، ولا يظهر فيها ما يدعو إلى الخوف أو القلق، إذ إن رموزها تدور حول الطهارة والرحمة وحسن الذكر، وهي معانٍ تتكرر في كثير من الرؤى التي يرى فيها الإنسان بعض أحبته ممن انتقلوا إلى رحمة الله.
وأول ما يلفت النظر في الرؤيا هو اجتماع الأم المتوفاة مع جماعة من الناس في مكان واسع يشبه الحديقة أو الفناء. والأماكن الفسيحة في الرؤى كثيرًا ما ترمز إلى السعة بعد الضيق، وإلى انكشاف الهموم، كما أن وجود المتوفى في هيئة مطمئنة وبين الناس، من غير مظاهر فزع أو ألم، يعد من العلامات التي تبعث على حسن الظن بحاله، وإن كان الحكم الحقيقي على مصير العباد عند الله وحده، ولا تُبنى عليه عقائد أو أحكام قطعية، فالرؤيا تبقى من المبشرات وليست مصدرًا للحكم على الغيب.
أما الماء، فهو من أبلغ رموز الخير في تعبير الرؤى؛ إذ جعله الله سبحانه أصل الحياة، وجعل به الطهارة الحسية والمعنوية. فإذا كان الماء معدًّا للنظافة والتطهر، دل ذلك على معانٍ من التنقية، وإزالة الهموم، وصفاء القلب، وتجدد الأمل.
غير أن الرمز الأبرز في هذه الرؤيا هو قول الرائي: “هذا ماء غسل ابن خالي المتوفى”، ثم مبادرة الأم إلى القول بحماس: “إنه طاهر، وماء غسله طاهر.”
وهنا ينبغي الالتفات إلى أن الرؤى لا تُفسَّر بظاهر الألفاظ وحده، بل بما تشير إليه من المعاني. فالغُسل الشرعي للميت عبادةٌ يقصد بها تكريمه قبل انتقاله إلى قبره، وهو من آخر ما يُصنع للمؤمن في الدنيا، ولذلك ارتبط في الوجدان بمعاني التكريم، والدعاء، والوداع الكريم.
ولعل تأكيد الأم على طهارة هذا الماء ليس المقصود منه بيان حكم فقهي؛ فالأحكام الشرعية تؤخذ من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، لا من المنامات. وإنما يبدو أن الرؤيا تستخدم هذا الرمز لتبعث برسالة معنوية، مضمونها أن هذا المتوفى يُذكر بالخير، وأنه خرج من الدنيا بعد أن أُديت له شعائر التكريم التي شرعها الله لعباده، وأن الأولى بأهله أن يستبدلوا الحزن بالدعاء، والقلق بالرجاء.
كما أن الحماس الذي ظهر في كلام الأم له دلالته؛ إذ لم تقل العبارة على سبيل التصحيح المجرد، وإنما قالتها بثقة وارتياح، وكأنها تريد إزالة ما قد يكون استقر في نفس الرائي من رهبة مرتبطة بالموت، أو شعور بالحزن على فقد الأحبة. وكأن الرؤيا تذكِّره بأن المؤمن لا يقف عند صورة الموت، وإنما ينظر إلى ما بعده من رحمة الله الواسعة، وأن التكريم الحقيقي إنما يكون بحسن الخاتمة، ورحمة الله التي وسعت كل شيء.
ومن زاوية نفسية، قد يكون العقل الباطن قد جمع بين شخصين عزيزين على قلب الرائي؛ أمه وابن خاله، لكون وفاتهما كانت متقاربة زمنيًا، وما زالت ذكراهما حاضرة في النفس. وعندما يشتاق الإنسان إلى من فقدهم، قد تأتي الرؤى لتعيد ترتيب هذه المشاعر في صورة مطمئنة، فيرى الراحلين في أحوال تبعث على السكينة، وهو ما يخفف من وطأة الفقد ويمنح القلب شيئًا من السلوى.
وفي الرؤيا أيضًا إشارة لطيفة إلى أن أفضل ما يصل إلى الأموات ليس الانشغال بتأويل أحوالهم، وإنما الإكثار لهم من الدعاء والاستغفار، والصدقة عنهم، وصلة أرحامهم، وذكر محاسنهم بين الناس. فهذه الأعمال هي التي تنفع بإذن الله، أما الرؤى فتبقى بشائر تُفرح المؤمن ولا تغنيه عن العمل الصالح.
ومن المناسب كذلك أن يتخذ الرائي من هذه الرؤيا فرصة لمراجعة قلبه، فيجدد صلته بالله، ويكثر من الطهارة الظاهرة والباطنة؛ فكما كان الماء في المنام رمزًا للنظافة، فإن القلب يحتاج إلى غسله من الأحقاد، واللسان يحتاج إلى تطهيره من الغيبة، والعمل يحتاج إلى تنقيته من الرياء، وهذه هي الطهارة التي يبقى أثرها في الدنيا والآخرة.
- كلمات مفتاحية | الطهارة في المنام, ماء غسل



