![]()
بين بر الوالدين وحقوق الزوجة..
كيف يحقق الزوج التوازن ويحفظ استقرار الأسرة؟
- الأسرة المسلمة
- قوامون
زياد الشرشابي
بين بر الوالدين وحقوق الزوجة..
كيف يحقق الزوج التوازن ويحفظ استقرار الأسرة؟
يجد بعض الأزواج أنفسهم أمام مسؤولية دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والوعي، وهي التوفيق بين بر الوالدين من جهة، وأداء حقوق الزوجة والمحافظة على استقرار الحياة الزوجية من جهة أخرى. وقد تنشأ الخلافات عندما يظن أحد الأطراف أن إكرام الطرف الآخر لا يتحقق إلا على حسابه، بينما الحقيقة أن الإسلام دعا إلى إعطاء كل ذي حق حقه، وحث على البر والرحمة والعدل وحسن المعاشرة.
فالزوج ليس مطالبا بالاختيار بين والديه وزوجته، وإنما مطالب بأن يعرف حدود مسؤولياته، وأن يتعامل مع كل علاقة بما تستحقه من رعاية واحترام، دون ظلم أو تقصير أو انحياز غير عادل.
بر الوالدين فريضة ومكانة عظيمة
جعل الإسلام بر الوالدين من أعظم القربات، وربط حقهما بتوحيد الله في مواضع متعددة من القرآن الكريم، قال تعالى: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا”. وهذا يدل على عظم مكانة الوالدين وضرورة الإحسان إليهما، ولا سيما عند الكبر والحاجة.
ولا ينتهي حق الوالدين بمجرد زواج الابن، بل تستمر صلته بهما، ويظل مطالبا بالإحسان إليهما والسؤال عنهما ومساعدتهما فيما يحتاجان إليه، والتعامل معهما بالقول الطيب والاحترام.
لكن بر الوالدين لا يعني الاستجابة لكل طلب في جميع الأحوال، ولا يعني أن يتسبب ذلك في ظلم الزوجة أو الاعتداء على حقوقها، فطاعة الوالدين تكون في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
للزوجة حقوق يجب حفظها
كما جعل الإسلام للوالدين حقوقا عظيمة، فقد جعل للزوجة حقوقا واضحة، يأتي في مقدمتها حسن المعاشرة والنفقة والسكن والرعاية والاحترام. قال تعالى: “وعاشروهن بالمعروف”.
والحياة الزوجية تقوم على السكن والمودة والرحمة، ولذلك فإن الزوج مطالب بأن يحافظ على كرامة زوجته، وألا يسمح بتحويل الخلافات العائلية إلى وسيلة للإهانة أو الضغط أو الانتقاص من حقوقها.
ومن المهم أن يدرك الزوج أن الاهتمام بزوجته ليس منافسة لبر الوالدين، وأن قيامه بواجباته تجاهها لا يعني التقليل من مكانة والديه، بل هو التزام بالمسؤوليات التي رتبها الشرع على كل طرف.
العدل هو مفتاح التوازن
يحتاج الزوج إلى قدر كبير من العدل حتى يستطيع تحقيق التوازن بين علاقاته الأسرية. فالعدل لا يعني أن يعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن يعطي كل طرف حقه المناسب، وأن يتعامل مع المواقف بحسب حقيقتها دون محاباة أو ظلم.
فإذا وقع خلاف بين والدته وزوجته، لا ينبغي أن يحكم الزوج لمجرد أن أحد الطرفين هو والدته، ولا ينبغي كذلك أن ينحاز إلى زوجته في كل موقف لمجرد أنها شريكة حياته. وإنما عليه أن يستمع إلى الطرفين، ويتحقق من تفاصيل المشكلة، ثم يسعى إلى معالجة الخطأ أيا كان مصدره.
وهذا الموقف العادل يحفظ مكانة الوالدين، وفي الوقت نفسه يمنح الزوجة شعورا بالأمان والثقة في زوجها.
عدم نقل الكلام يحمي الأسرة
من أكثر الامور التي تزيد الخلافات بين الزوجة وأهل الزوج نقل الكلام بصورة مستمرة. فقد تقول الزوجة شيئا في لحظة غضب، ثم ينقله الزوج إلى والدته، أو يسمع الزوج شكوى من والدته فينقلها إلى زوجته، فتتحول الكلمات العابرة إلى خلافات متراكمة.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن يكون الزوج أمينا في نقل الكلام، وأن يفرق بين الشكوى التي تحتاج إلى معالجة وبين الكلام الذي يقال في لحظة انفعال.
كما ينبغي له أن يتجنب جعل زوجته ووالدته في مواجهة مباشرة، وأن يعمل على تهدئة النفوس بدلا من نقل كل تفاصيل الخلافات بين الطرفين.
لا تجعل الزوجة في مواجهة مع والدي الزوج
من الخطأ أن يطلب الزوج من زوجته تحمل ما يفوق قدرتها بحجة إرضاء والديه، أو أن يجعلها مسؤولة عن خدمتهم على نحو يضر بحياتها وحقوقها، خصوصا إذا كان ذلك يتجاوز حدود استطاعتها أو يؤدي إلى نشوء نزاعات مستمرة.
وفي المقابل، من الحكمة أن تحرص الزوجة على احترام والدي زوجها، وأن تتجنب الاساءة إليهما أو التقليل من شأنهما، وأن تدرك أن صلة الزوج بوالديه جزء مهم من حياته.
والافضل أن يقوم كل طرف بدوره دون فرض أدوار غير لازمة على الطرف الآخر، وأن تكون العلاقة قائمة على التعاون والاحترام لا على الإلزام والضغط.
وضع حدود صحية للعلاقات الأسرية
قد يكون من المفيد أن يتفق الزوجان على حدود واضحة تحمي خصوصية حياتهما، خصوصا فيما يتعلق بالخلافات الزوجية والقرارات الخاصة بالبيت وتربية الابناء.
ولا يعني وضع الحدود قطع العلاقة مع الوالدين أو الابتعاد عنهم، وإنما يعني تنظيم العلاقة بطريقة تمنع التدخل المفرط في شؤون الزوجين.
كما ينبغي للزوج أن يوضح لأسرته بأسلوب هادئ أن احترام خصوصية بيته لا يعني الابتعاد عنهم، وأن الحفاظ على استقرار زواجه لا ينتقص من حبه لهم أو بره بهم.
الزوج الحكيم يبني الجسور
الزوج الحكيم لا يتعامل مع المشكلة بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما يبحث عن حل يحفظ كرامة الجميع. فإذا أخطأت الزوجة، نصحها على انفراد وبأسلوب يحفظ مشاعرها، وإذا أخطأ أحد والديه، تعامل مع الموقف باحترام وحكمة دون أن يسمح باستمرار الظلم.
كما ينبغي له أن يتجنب المقارنات بين زوجته ووالدته، لأن لكل منهما مكانة مختلفة، ولا يصح أن يجعل إحداهما معيارا للحكم على الأخرى.
فالام لها مكانتها وفضلها، والزوجة لها حقوقها ومكانتها، والخلط بين المقامين قد يكون سببا في كثير من النزاعات.
عندما يصبح التدخل ضروريا
قد تصل بعض الخلافات إلى درجة يصعب معها حلها بالحوار المباشر، وهنا يمكن الاستعانة بشخص حكيم من الأسرة أو بمختص في الإرشاد الاسري، بشرط أن يكون هدفه الإصلاح وليس تأجيج الخلاف.
وينبغي ألا تتحول كل مشكلة إلى قضية عائلية واسعة، لأن كثرة المتدخلين قد تزيد الموقف تعقيدا. وفي كثير من الحالات يكون الحوار الهادئ بين الزوجين كافيا لاكتشاف الخلل ووضع حلول مناسبة.
التوفيق بين الحقوق ممكن
إن التوفيق بين بر الوالدين وحقوق الزوجة ليس أمرا مستحيلا، وإنما يحتاج إلى وعي بالحقوق والواجبات، وعدل في التعامل، وحكمة في إدارة الخلافات. فالوالدان يحتاجان إلى البر والرحمة والرعاية، والزوجة تحتاج إلى المودة والاحترام والأمان، ولا تعارض بين الأمرين إذا عرف كل طرف حدوده وأدى ما عليه.
وعندما يجعل الزوج العدل منهجا، ويحفظ لوالديه مكانتهما، ويصون حقوق زوجته، ويمنع الظلم والتدخل المفرط، فإنه لا يحقق التوازن داخل أسرته فحسب، بل يقدم نموذجا ناضجا في تحمل المسؤولية.
وفي النهاية، فإن نجاح الحياة الأسرية لا يقوم على اختيار طرف وإهمال آخر، وإنما على إعطاء كل ذي حق حقه، وحسن إدارة الاختلاف، وتقديم المصلحة الاسرية، مع التمسك بالبر والرحمة والعدل. وبذلك يمكن للزوج أن يكون بارا بوالديه، وفيا لزوجته، وقادرا على بناء أسرة يسودها الاحترام والمودة والاستقرار.
- كلمات مفتاحية | الأب, الأم, الزوجة, القرآن الكريم, بر الوالدين



