![]()
كلمات في الوجه تسبق اللسانَ.. كيف أتحكم في انفعالاتي أمام الناس؟
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
كلمات في الوجه تسبق اللسانَ.. كيف أتحكم في انفعالاتي أمام الناس؟
- استشارات عائلية
في البداية، من المهم أن تعرفي أن ظهور المشاعر على الوجه ليس في ذاته عيبًا أخلاقيًا ولا مرضًا نفسيًا. فالوجه في كثير من الأحيان مرآة سريعة لما يحدث داخل الإنسان، وقد تسبق ملامحه كلماته دون أن يقصد صاحبها ذلك. هناك أشخاص يستطيعون إخفاء دهشتهم أو غضبهم أو استغرابهم بسهولة، وهناك آخرون تبدو مشاعرهم على وجوههم بصورة أكثر وضوحًا. وهذا اختلاف في الطباع والاستجابات الانفعالية، وليس دليلًا على سوء النية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العفوية إلى مصدر مستمر لإيذاء العلاقات، أو عندما يصبح تعبير الوجه أقوى من الكلام الذي تقصدينه، فيقرأ الآخرون ملامحك باعتبارها رسالة موجهة إليهم. وهنا لا يكون المطلوب منك أن تقتلي عفويتك، وإنما أن تتعلمي إدارة عفويتك.
فالإنسان الناضج ليس هو الذي لا يشعر، ولا الذي يخفي كل ما يشعر به، وإنما هو الذي يتعلم كيف يختار الطريقة المناسبة للتعبير عما يشعر به، ومتى يعبر، ومتى يؤجل التعبير، ومتى يدع بعض الأمور تمر دون تعليق.
ومن الناحية الدينية، فإن الإسلام لا يطالب الإنسان بأن يكون بلا مشاعر؛ فالإنسان يغضب ويحزن ويفرح ويتعجب وينزعج، وهذه طبيعة بشرية. وإنما جاءت التربية الإسلامية لتعلم الإنسان ألا تجعل الانفعالات قائدًا لسلوكه. ولذلك كان من جوامع التوجيه النبوي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، فالقوة الحقيقية ليست في انعدام الانفعال، وإنما في القدرة على ضبطه حين يحضر.
وهنا ينبغي أن تفرقي بين أمرين: الشعور والانفعال من جهة، والتصرف المترتب عليهما من جهة أخرى. قد لا تستطيعين أن تمنعي نفسك من الشعور بالضيق عندما تسمعين عبارة لا تعجبك، لكنك تستطيعين بدرجة كبيرة أن تمنعي نفسك من إطلاق نظرة جارحة، أو رفع حاجب بطريقة قد تُفهم على أنها استهزاء، أو إدارة وجهك بصورة توحي بالاحتقار.
وهذا الفرق مهم جدًا؛ لأننا لا نملك دائمًا اللحظة الأولى للشعور، لكننا نملك مساحة بعد هذه اللحظة نستطيع فيها أن نقرر ماذا سنفعل.
لا تحاولي أن تجمّدي وجهك.. تعلّمي أن تمنحي نفسك لحظة
ربما يكون الخطأ الذي ترتكبينه أنك تحاولين مباشرةً أن تمنعي وجهك من التعبير. وهذه مهمة صعبة؛ لأنك في اللحظة نفسها تكونين منشغلة بما قيل لك، وبمشاعرك تجاهه، وبالخوف من أن تظهر هذه المشاعر على وجهك، فتزداد المشكلة تعقيدًا.
الأفضل أن تدربي نفسك على شيء أبسط: التأخير.
إذا سمعتِ كلامًا لم يعجبك، فلا تجيبي فورًا. خذي نفسًا هادئًا، وأجّلي ردك ثانية أو ثانيتين، وانظري إلى المتحدث باعتدال، ثم اسألي نفسك: هل ما قاله يستحق كل هذا الانزعاج؟ هل فهمت كلامه كما أراد؟ هل كان يقصد الإساءة أصلًا؟ هل يستحق الأمر أن أُظهر استنكاري؟
هذه الثواني القليلة قد تصنع فرقًا هائلًا.
وتستطيعين أيضًا أن تتعلمي ما يسمى في علم النفس الوعي بالمشاعر والانفعالات؛ أي أن تكتشفي الإشارة الأولى التي تسبق تغير ملامحك. ربما تشعرين بتوتر في عضلات الوجه، أو تضيقين عينيك، أو ترفعين حاجبك، أو تضغطين شفتيك، أو يتغير تنفسك. راقبي هذه العلامات في نفسك، لأن اكتشافها مبكرًا يمنحك فرصة للتدخل قبل أن تصبح الرسالة واضحة على وجهك.
ويمكنك التدرب على ذلك أمام المرآة أو من خلال تسجيل نفسك في مواقف تمثيلية بسيطة. ليس المقصود أن تتعلمي وجهًا مصطنعًا، وإنما أن تعرفي كيف يبدو وجهك عندما تستنكرين أو تغضبين أو تتفاجئين. فكثير من الناس لا يدركون مقدار ما يظهر على وجوههم إلا عندما يرونه بأنفسهم.
ليس كل ما لا يعجبك يحتاج إلى إعلان
هناك قاعدة جميلة في العلاقات الإنسانية تقول إن النضج لا يعني أن يكون الإنسان صريحًا في كل لحظة، وإنما أن يعرف ما الذي يستحق الصراحة، وما الذي يستحق التجاوز، وما الذي يحتاج إلى تأجيل.
قد تسمعين رأيًا لا يعجبك، لكنه ليس إساءة إليك. وقد تسمعين فكرة تخالف قناعاتك، لكنها لا تستحق أن تدخلي بسببها في صدام. وقد يقول شخص كلامًا غير دقيق، ويمكن أن يمر الحديث دون أن يتحول إلى معركة لإثبات من المصيب.
ومن هنا فإن تدريب نفسك على تقبل الاختلاف سيخفف كثيرًا من المشكلة. ليس مطلوبًا منك أن تقتنعي بكل ما يقوله الآخرون، وإنما أن تتعلمي أن اختلافك الداخلي لا يلزم أن يتحول فورًا إلى إعلان خارجي.
وإذا شعرتِ أن كلامًا ما أثار غضبك، يمكنك استخدام عبارات بسيطة تحفظ لك هدوءك، مثل: «أفهم وجهة نظرك، لكنني أرى الأمر بصورة مختلفة»، أو «ربما أحتاج إلى التفكير في هذا الكلام»، أو «دعينا نتحدث في الأمر بهدوء». بهذه الطريقة ينتقل التعبير من الوجه إلى اللغة، واللغة أرحم بالعلاقات من الإشارات التي قد يساء تفسيرها.
كما أن من المفيد أن تتذكري أن الناس لا يقرأون النوايا، وإنما يقرأون السلوك الظاهر. أنت قد تقولين في داخلك: «أنا لم أقصد الإساءة»، بينما الطرف الآخر رأى نظرة استنكار وشعر بالحرج. لذلك فإن حسن النية وحده لا يكفي دائمًا لصيانة العلاقات؛ بل يحتاج إلى حسن التعبير أيضًا.
العفوية جميلة.. لكن العفوية بلا تهذيب قد تؤذي صاحبها
كونك إنسانة بسيطة وعفوية أمر جميل، فلا تحاولي أن تتحولي إلى شخصية جامدة تخفي مشاعرها طوال الوقت خوفًا من أحكام الناس. فالإنسان الذي يراقب وجهه في كل ثانية ويحسب كل حركة من حركاته قد يتحول إلى شخص مرهق لنفسه ولمن حوله.
المطلوب ليس إخفاء المشاعر، وإنما تهذيبها.
ومن الناحية النفسية، حاولي أن تسألي نفسك بعد كل موقف تسبب لك في مشكلة: ماذا شعرت؟ ولماذا شعرت به؟ وماذا فهم الطرف الآخر من ملامحي؟ وكيف كان يمكنني أن أعبر بصورة أفضل؟
اكتبي هذه الملاحظات أحيانًا. ستكتشفين مع الوقت أن بعض الأشياء التي تثير انزعاجك ليست مرتبطة بالكلام نفسه، وإنما بتفسيرك له. وربما يكون لديك حساسية مرتفعة تجاه النقد، أو تجاه تدخل الآخرين، أو تجاه بعض العبارات التي تذكرك بمواقف قديمة. ومعرفة الجذر تجعل السيطرة على الفروع أسهل.
ومن المفيد كذلك أن تتعلمي تدريبات التنفس البطيء والاسترخاء، خصوصًا قبل اللقاءات التي تعرفين أنها قد تتضمن نقاشات أو مواقف حساسة. فالجسد والعقل متصلان؛ وكلما هدأ الجسد، أصبح التحكم في الاستجابة الانفعالية أسهل.
ولا تجعلي خوفك من نظرات الناس سببًا في تجنبهم. التجنب المستمر قد يزيد القلق بدلًا من أن يعالجه. ادخلي المواقف الاجتماعية بصورة طبيعية، وامنحي نفسك فرصة للتدرب. وإذا ظهرت على وجهك ملامح استغراب دون قصد، فلا داعي للهلع؛ يمكنك ببساطة أن تقولي بابتسامة: «آسفة، يبدو أن ملامح وجهي سبقتني، لم أقصد أن أفهمك أنني أستنكر كلامك.» وهذه الجملة الصغيرة قد تزيل سوء فهم كبيرًا.
وتذكري أيضًا أن الناس ليسوا جميعًا حساسين بالطريقة نفسها. بعضهم قد يلاحظ تغير ملامحك ولا يهتم، وبعضهم قد يفسره تفسيرًا سلبيًا. لذلك لا تحملي نفسك مسؤولية كل تفسير يصنعه الآخرون، لكن تحملي مسؤولية أن يكون سلوكك واضحًا ومحترمًا قدر استطاعتك.
أما إذا لاحظتِ أن انفعالاتك شديدة جدًا، أو أن غضبك أو قلقك يخرج عن السيطرة، أو أن هذه المشكلة تؤثر بصورة كبيرة في علاقاتك وحياتك اليومية، فقد يكون من المفيد الاستعانة بأخصائي نفسي؛ ليس لأنك «مريضة»، وإنما لأن التدريب المهني على تنظيم الانفعالات والوعي الذاتي يمكن أن يمنحك أدوات عملية أكثر دقة.
والأهم من كل ذلك ألا تنقلي نفسك من مشكلة إلى مشكلة أخرى؛ فلا تنتقلي من «وجهي يفضح مشاعري» إلى «يجب ألا يشعر أحد بما أشعر به». الهدف ليس أن يصبح وجهك صفحة بيضاء بلا مشاعر، وإنما أن يصبح بين الشعور والتعبير قدر من الحكمة.
فليس كل ما نشعر به ينبغي أن يُقال، وليس كل ما يُقال ينبغي أن يُجاب عنه، وليس كل ما لا يعجبنا يستحق أن يظهر على وجوهنا. وفي العلاقات الإنسانية، قد يكون أجمل ما نتعلمه هو أن نمنح الآخرين حسن الظن، وأن نمنح أنفسنا لحظة قبل أن نمنح انفعالنا حق الكلام.
- كلمات مفتاحية | التحكم في الانفعالات, الحساسية النفسية, لغة الجسد



