![]()
الخوف من المرض والتقدم في العمر..
كيف نحول القلق إلى وعي وطمأنينة؟
- الأسرة المسلمة
- بعد الستين
زياد الشرشابي
الخوف من المرض والتقدم في العمر..
كيف نحول القلق إلى وعي وطمأنينة؟
الخوف من المرض والتقدم في العمر من المشاعر الإنسانية التي قد ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته، فمع مرور السنوات يبدأ البعض في التفكير بصورة أكبر في صحته وقدرته على أداء مسؤولياته، وقد يتحول هذا التفكير أحيانا إلى قلق مستمر من الإصابة بالمرض أو فقدان الاستقلالية أو مواجهة مرحلة الشيخوخة.
ولا يعني الشعور بالخوف بالضرورة وجود مشكلة، فالقلق المعتدل قد يدفع الإنسان إلى الاهتمام بصحته وتجنب العادات الضارة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى هاجس يسيطر على الحياة اليومية ويمنع الإنسان من الاستمتاع بوقته وعلاقاته وأنشطته. ولذلك فإن التعامل الصحيح مع هذا الشعور يحتاج إلى وعي وتوازن ونظرة أكثر هدوءا إلى المرض والعمر.
لماذا نخاف من المرض والتقدم في العمر؟
يرتبط الخوف من المرض والتقدم في العمر بعدة عوامل، من أبرزها الخوف من المجهول. فالإنسان بطبيعته يشعر بالقلق تجاه الأمور التي لا يستطيع التحكم فيها أو معرفة تفاصيلها مسبقا، ولذلك قد ينشغل بما يمكن أن يحدث له في المستقبل.
كما قد يزداد هذا الخوف نتيجة سماع تجارب مرضية صعبة لأشخاص مقربين، أو متابعة الأخبار الصحية بصورة مبالغ فيها، أو البحث المستمر عن أعراض الأمراض عبر الإنترنت. وقد تؤدي هذه الممارسات إلى زيادة التركيز على الجسد ومراقبة كل تغير بسيط فيه، ثم تفسيره بطريقة تثير القلق.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الناس ينظرون إلى التقدم في العمر باعتباره مرحلة مرتبطة بالعجز وفقدان النشاط، بينما يمكن النظر إليه باعتباره مرحلة طبيعية تحمل خبرات ونضجا وفرصا جديدة للحياة.
الفرق بين الاهتمام بالصحة والخوف المرضي
من المهم التمييز بين الحرص الطبيعي على الصحة وبين الخوف المبالغ فيه من المرض. فالاهتمام بالصحة يدفع الإنسان إلى اتباع نمط حياة متوازن، وإجراء الفحوص المناسبة، ومراجعة الطبيب عند الحاجة، والحرص على النوم والغذاء والنشاط البدني.
أما الخوف المبالغ فيه فيجعل الإنسان منشغلا بصورة مستمرة باحتمال الإصابة بمرض ما، وقد يدفعه إلى تكرار الفحوص أو البحث عن المعلومات الطبية بشكل قهري، أو تجنب الأنشطة الطبيعية خوفا من حدوث مشكلة صحية.
ولهذا فإن الهدف ليس تجاهل الصحة أو إنكار احتمالات المرض، وإنما التعامل معها بعقلانية، بحيث يصبح الاهتمام بالصحة وسيلة للحياة بصورة أفضل، لا سببا للعيش في حالة دائمة من التوتر.
التقدم في العمر مرحلة طبيعية
ينبغي أن يدرك الإنسان أن التقدم في العمر سنة من سنن الحياة، وأن مراحل العمر المختلفة تحمل لكل منها خصائصها ومسؤولياتها. فالإنسان لا يستطيع إيقاف الزمن، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها مع كل مرحلة.
وقد يحمل التقدم في العمر جوانب إيجابية عديدة، منها زيادة الخبرة والقدرة على فهم الحياة بصورة أعمق، ونضج العلاقات، وتقدير التفاصيل الصغيرة، والقدرة على نقل التجارب إلى الأبناء والأحفاد.
ومن الخطأ اختزال قيمة الإنسان في عمره أو قدرته الجسدية فقط، فالقيمة الإنسانية لا تتوقف عند النشاط البدني، وإنما تشمل الخبرة والحكمة والعطاء والعلاقات والقدرة على التأثير في الآخرين.
العناية بالصحة دون استسلام للقلق
من أفضل الطرق للتعامل مع الخوف من المرض اتخاذ خطوات عملية للعناية بالصحة. ويمكن أن يبدأ ذلك باتباع نظام غذائي متوازن، والحفاظ على قدر مناسب من النشاط البدني، والحصول على نوم كاف، والابتعاد عن العادات التي تضر بالصحة.
كما ينبغي الالتزام بالفحوص الطبية المناسبة وفقا للعمر والحالة الصحية وتوجيهات المختصين، بدلا من الاعتماد على التخمين أو المعلومات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي.
وعندما يشعر الإنسان بوجود عرض صحي حقيقي، فإن التصرف الأفضل هو استشارة الطبيب المختص، بدلا من الدخول في دوامة البحث والقلق. فالمعلومة الطبية الموثوقة تساعد على اتخاذ القرار الصحيح، بينما قد تؤدي المعلومات غير الدقيقة إلى زيادة الخوف.
تقوية الجانب النفسي والاجتماعي
لا تقتصر مواجهة الخوف من المرض والتقدم في العمر على الجانب الصحي، بل يحتاج الإنسان أيضا إلى بناء حياة نفسية واجتماعية متوازنة. فالتواصل مع الأسرة والأصدقاء، وممارسة الهوايات، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، كلها أمور تمنح الحياة معنى وتقلل من مساحة القلق.
كما يساعد الانشغال بالأهداف الواقعية على عدم الاستغراق في التفكير بالمستقبل المجهول. ويمكن للإنسان أن يضع لنفسه أهدافا تتناسب مع عمره وقدراته، سواء في التعلم أو العمل أو القراءة أو التطوع أو قضاء الوقت مع الأسرة.
التعامل مع الأفكار المقلقة
عندما تطرأ فكرة مثل: ماذا لو أصبت بمرض خطير؟ أو ماذا سيحدث عندما أتقدم في العمر؟ فمن المفيد عدم التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة. الفكرة المقلقة ليست بالضرورة حقيقة، وإنما احتمال يطرحه العقل.
ويمكن مواجهة هذه الأفكار بالعودة إلى الواقع، والتركيز على ما يستطيع الإنسان فعله الآن، بدلا من استنزاف طاقته في توقع سيناريوهات لم تحدث.
كما أن تقليل متابعة المحتوى الذي يثير الخوف، وتخصيص أوقات محددة للاطلاع على المعلومات الصحية من مصادر موثوقة، قد يساعدان على استعادة قدر أكبر من الهدوء.
الإيمان يمنح القلب طمأنينة
يساعد الإيمان على التعامل مع المرض والعمر باعتبارهما جزءا من طبيعة الحياة، ويمنح الإنسان قدرة أكبر على تقبل ما لا يستطيع تغييره، مع الأخذ بالأسباب التي يستطيع القيام بها.
ولا يعني التوكل ترك الأسباب، بل الجمع بين السعي والطمأنينة، فيعتني الإنسان بصحته، ويطلب العلاج عند الحاجة، ويتجنب أسباب الضرر، ثم لا يسمح للخوف من المستقبل بأن يحرمه من الحاضر.
كما أن استحضار معنى الصبر والرضا وحسن الظن بالله يساعد الإنسان على مواجهة مراحل الحياة المختلفة بقلب أكثر استقرارا، ويمنحه قدرة على التعامل مع الظروف الصعبة دون استسلام لليأس.
متى يحتاج الخوف إلى مساعدة متخصصة؟
إذا أصبح الخوف من المرض أو التقدم في العمر شديدا إلى درجة تعطل النوم أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، أو جعل الإنسان يتجنب حياته الطبيعية، فمن المفيد طلب المساعدة من مختص نفسي مؤهل. فطلب المساعدة ليس علامة ضعف، وإنما خطوة واعية للتعامل مع مشكلة تؤثر في جودة الحياة.
العمر خبرة وليس رقما
إن مواجهة الخوف من المرض والتقدم في العمر لا تكون بإنكار الواقع، ولا بالاستسلام للقلق، وإنما بتحقيق التوازن بين الوقاية والطمأنينة، وبين الاهتمام بالصحة والاستمتاع بالحياة.
فالعمر يمضي، لكن الإنسان يستطيع أن يجعل كل مرحلة أكثر قيمة من خلال المحافظة على صحته، وتقوية علاقاته، وتنمية اهتماماته، والاستفادة من تجاربه. وعندما يتعلم الإنسان أن يعيش الحاضر دون إهمال المستقبل، يتحول الخوف من المرض والعمر إلى دافع للعناية بالنفس، ويصبح التقدم في السن رحلة طبيعية تحمل معها الخبرة والنضج والقدرة على العطاء.
- كلمات مفتاحية | الإنترنت, الاهتمام بالصحة, التقدم في العمر, الشيخوخة, الغذاء, المرض, المشاعر الإنسانية, النوم



