جسرٌ إلى القادم.. ووردٌ جميلٌ ينتظر ثماره

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
رؤيتك فيها حركة مستمرة إلى الأمام: سير، ثم عبور، ثم الوصول، ثم ظهور الورد. وكأن الصورة العامة للرؤيا ليست صورة انسداد أو ضياع، وإنما صورة طريق يُقطع ومرحلة تُجتاز، ثم تظهر أمام الإنسان أمارات...
جسرٌ إلى القادم.. ووردٌ جميلٌ ينتظر ثماره

جسرٌ إلى القادم.. ووردٌ جميلٌ ينتظر ثماره

س
 رأيت في المنام أنني أسير فوق كوبري، فمر بجواري رجل أعرفه وكأنه صديق لزوجي، وكان يركب دراجة نارية، وعرض عليَّ أن أركب خلفه، لكنني شكرته ورفضت، وواصلت السير حتى انتهيت من عبور الكوبري. وكانت برفقتي ابنتي الوسطى، وهي حديثة الانتهاء من الثانوية العامة وتنتظر نتيجة التنسيق لمعرفة الجامعة التي ستلتحق بها. وأثناء سيرنا رأيت أمامنا باقة ورد جميلة جدًا، ثم رأيت في ناحية أخرى باقة ثانية جميلة أيضًا، لكنني انتبهت إلى أن الباقتين من الورد الصناعي. فما دلالة الكوبري، ورفض ركوب الدراجة، ووجود ابنتي معي، وظهور باقتي الورد، وهل يمكن أن يكون في المنام ما يتعلق بمستقبلها الجامعي أو نتيجة التنسيق؟
جــــ

الرؤى لا تُقرأ عادةً على طريقة القواميس الجامدة التي تجعل لكل رمز معنى واحدًا لا يتغير، وإنما تُفهم من خلال اجتماع الرموز، وحال صاحب الرؤيا، والظروف التي يعيشها، والمشاعر التي صاحبت المنام. ولذلك فهذه الرؤيا تحمل معاني أقرب إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، مع وجود أكثر من طريق أو احتمال أمام الابنة، وبلوغ مرحلة جديدة بعد عبور قدر من القلق والانتظار.

والكوبري في الرؤى من الرموز التي يمكن أن تحمل معنى الانتقال والعبور من حال إلى حال؛ فهو ليس مكانًا للإقامة، وإنما سبيل يصل بين جهتين. ومن هنا يمكن أن يكون ظهوره مناسبًا جدًا لحال الأسرة في هذه الفترة، فالابنة أنهت مرحلة الثانوية العامة، وأصبحت تقف على عتبة مرحلة جامعية جديدة، والأسرة كلها تنتظر ما ستؤول إليه نتيجة التنسيق.

ولافت للنظر أن السائلة واصلت السير حتى انتهت من عبور الكوبري، وهذه من النقاط المبشرة في الرؤيا؛ إذ إن العبور التام أقرب في دلالته إلى تجاوز مرحلة القلق والوصول إلى الجهة الأخرى، وليس الوقوف في منتصف الطريق أو الرجوع منه. وقد يكون في ذلك إشارة معنوية إلى أن مرحلة الانتظار ستنقضي، وأن الأسرة ستدخل بالفعل في مرحلة جديدة.

أما الرجل الذي عرض عليها أن تركب خلفه على الدراجة النارية، فظهوره بهذه الصورة قد يرمز إلى عرض طريق أسرع أو مسار مختلف. والدراجة النارية بطبيعتها وسيلة سريعة، بينما كانت السائلة تسير بقدميها. ورفضها الركوب، مع شكر الرجل وعدم وجود خصومة معه، يحمل معنى لطيفًا؛ فهي لم ترفض بعنف، وإنما اختارت أن تواصل طريقها بنفسها.

وقد يفهم من ذلك أن السائلة تميل في قراراتها المتعلقة بأسرتها وابنتها إلى التروي وعدم الاستسلام للاستعجال أو الاعتماد على حلول سريعة لمجرد أنها أسرع. وربما كان في الرؤيا تذكير لها بأن بعض الطرق لا تُقاس بسرعة الوصول، وإنما بسلامة الوصول.

ومن المهم أيضًا ألا يُفهم ظهور رجل معروف في المنام على أنه إشارة حتمية إلى هذا الشخص بعينه أو إلى علاقة خاصة به؛ فكثيرًا ما تستعير النفس وجوه أشخاص تعرفهم لتجسيد معنى أو موقف، ولا يلزم أن تكون للرجل نفسه دلالة مستقلة.

أما وجود الابنة الوسطى مع أمها أثناء عبور الكوبري، فهو أقرب الرموز اتصالًا بموضوع الرؤيا الواقعي؛ فالابنة بالفعل تقف على مرحلة فاصلة بين التعليم المدرسي والتعليم الجامعي، والأم تحمل همّ مستقبلها وتنتظر معها نتيجة التنسيق. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الانشغال في الأحلام، خصوصًا إذا كان موضوع الجامعة والنتيجة يشغل مساحة كبيرة من التفكير والدعاء والقلق.

وهنا يظهر البعد النفسي للرؤيا بوضوح: الأم لا تعبر الكوبري وحدها، وإنما تعبره وابنتها معها؛ وكأن النفس تصوّر رحلة الانتقال القادمة باعتبارها رحلة أسرية، لا تخص الابنة وحدها. فالأم تشارك ابنتها القلق، وتفرح لفرحها، وتتألم إذا تعثرت، ولذلك قد ترى في المنام ما يعكس هذا الارتباط العاطفي العميق.

ثم تأتي باقتا الورد الجميلتان، وهما من أجمل ما في الرؤيا من حيث الصورة والمعنى. فالورد في أصله يرتبط بالفرح والمودة والبشارة وحسن الأثر، وظهور باقتين بدلًا من باقة واحدة قد يتناسب مع وجود خيارين أو طريقين أو احتمالين جميلين أمام الابنة، ولا سيما أن الرؤيا جاءت في فترة تنتظر فيها الأسرة نتيجة التنسيق وما ستكشف عنه من مسار جامعي.

لكن كون الورد صناعيًا يستحق التأمل؛ فالورد الصناعي جميل في مظهره، لكنه ليس كالورد الطبيعي في حياته ورائحته ونموه. وقد يكون ذلك تذكيرًا بأن جمال الفرصة التي ستأتي لا ينبغي أن يُقاس بمظهرها وحده. فقد تبدو بعض الخيارات براقة ومبهرة، بينما تكون قيمتها الحقيقية في مدى مناسبتها لقدرات الابنة وشخصيتها ومستقبلها.

وهذا معنى مهم جدًا للأسرة: ليس كل ما يبدو جميلًا هو بالضرورة الأصلح، وليس كل طريق أقل بريقًا هو أقل قيمة. فالجامعة أو الكلية التي تحمل اسمًا لامعًا قد لا تكون الخيار الأفضل إذا كانت لا تناسب ميول الابنة وقدراتها، والعكس صحيح.

أما وجود باقتين جميلتين في جهتين مختلفتين، فيمكن أن يحمل ـ على سبيل الاستئناس لا الجزم ـ معنى وجود أكثر من فرصة حسنة أو أكثر من اختيار يمكن أن يكون فيه خير، وليس بالضرورة أن تكون الرؤيا وعدًا بقبول الابنة في تخصصين أو جامعتين بعينهما. فالرؤى الصالحة قد تبشر بالخير إجمالًا، لكنها لا تقوم مقام نتيجة التنسيق ولا تكشف الغيب على وجه القطع.

ومن المنظور الديني، ينبغي التعامل مع الرؤيا الحسنة بروح مطمئنة دون تحميلها ما لا تحتمل. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن «الرؤيا الصالحة من الله»، ولذلك إذا رأى الإنسان ما يسره حمد الله وسرَّ بها، لكن الغيب لله وحده، ولا يجوز أن نبني على المنام يقينًا بشأن مستقبل شخص أو قرار دراسي أو نتيجة لم تظهر بعد.

والأجمل في هذه الرؤيا أن فيها حركة مستمرة إلى الأمام: سير، ثم عبور، ثم الوصول، ثم ظهور الورد. وكأن الصورة العامة للرؤيا ليست صورة انسداد أو ضياع، وإنما صورة طريق يُقطع ومرحلة تُجتاز، ثم تظهر أمام الإنسان أمارات من الجمال والفرح.

ولذلك أنصح السائلة ألا تجعل انتظار نتيجة التنسيق يتحول إلى قلق يسرق منها فرحة ما أنجزته ابنتها. فقد انتهت الابنة بالفعل من الثانوية، وهذه في ذاتها مرحلة كبيرة تستحق أن تُستقبل بالحمد والثناء على الله، ثم يأتي اختيار الجامعة باعتباره بداية طريق جديد، لا حكمًا نهائيًا على مستقبلها كله.

وليكن معيار الاختيار عند ظهور النتيجة هو المناسبة لا المظهر فقط: ماذا تحب الابنة؟ ما الذي تتفوق فيه؟ ما قدراتها الحقيقية؟ ما المجال الذي يمكن أن تستمر فيه وتبدع؟ وما الذي يفتح أمامها أبوابًا عملية ومعرفية جيدة؟ فهذه الأسئلة أهم من مجرد اسم الكلية أو الجامعة.

أما الرؤيا نفسها، فأقرب ما يظهر فيها ـ والله أعلم ـ أنها رؤيا انتقال وعبور وطمأنة، وفيها إشارة إلى أن أمام الابنة مرحلة جديدة تحمل أكثر من احتمال حسن، مع دعوة إلى عدم الاستعجال في الاختيار، وعدم الانخداع بجمال الظاهر وحده. والورد جميل، لكن الورد الحقيقي هو ما يعيش وينمو ويترك أثرًا طيبًا، وكذلك الخيارات في الحياة: ليست قيمتها في شكلها الأول، وإنما فيما تنبته من مستقبل.

ومن الناحية النفسية، يمكن للأم أن تساعد ابنتها في هذه المرحلة بأن تجعلها ترى نتيجة التنسيق بداية طريق لا نهاية حلم؛ فإن جاءت كما تتمنى فذلك فضل يستحق الشكر، وإن جاءت على غير ما توقعت، فليس معنى ذلك أن أبواب النجاح قد أغلقت. كم من إنسان دخل طريقًا لم يكن خياره الأول، ثم صنع فيه لنفسه مكانًا لم يكن يتخيله.

والرؤيا في مجملها لا تبدو باعثة على الخوف، بل يغلب عليها معنى الانتقال الهادئ، والاختيار، والوصول، ثم استقبال ما هو جميل. ولذلك فالأولى أن تستقبلها السائلة بالتفاؤل والدعاء، وأن تترك تفاصيل الغيب لمن بيده مفاتيحه، مع الأخذ بالأسباب والاستشارة والاستخارة عند المفاضلة بين الخيارات.

ذات صلة
جوجل تفاجئ مستخدمي جيميناي.. «Skills» تحل محل «Gems»
تستعد شركة جوجل لإجراء تغيير جديد في طريقة تخصيص المستخدمين لخدمة جيميناي، من خلال استبدال ميزة "جيمز"...
المزيد »
التغذية السليمة في مرحلة الشيخوخة..
تحتاج مرحلة الشيخوخة إلى اهتمام خاص بالتغذية، لأن احتياجات الجسم تتغير مع التقدم في العمر، وقد تتراجع...
المزيد »
فن صناعة الذكريات.. تفاصيل بسيطة تمنح حياة مليئة بالمودة
لا تقاس قوة الحياة الزوجية بعدد السنوات التي يعيشها الزوجان معا فقط، وإنما بما يصنعانه خلال هذه السنوات...
المزيد »
عقوق الأبناء.. أسبابه وطرق التعامل معه وبناء جسور البر داخل الأسرة
ظاهرة عقوق الأبناء من أكثر المشكلات الأسرية التي تترك آثارا عميقة على استقرار البيت وتماسكه، خاصة عندما...
المزيد »
الأم المعاصرة في اختبار صعب.. كيف تواجه عواصف التربية الحديثة؟
تواجه الأم المعاصرة مجموعة متزايدة من التحديات التربوية نتيجة التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية...
المزيد »
تأخر الزواج والاستقرار من أبرز تحديات الشباب المسلم
يواجه الشباب المسلم في العصر الحديث تحديات متزايدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية،...
المزيد »
آداب التعامل التي ينبغي تعليمها للطفل المسلم
تعد مرحلة الطفولة الأساس الذي تتشكل خلاله شخصية الإنسان، ولذلك فإن تعليم الطفل المسلم آداب التعامل لا...
المزيد »
توزيع المهام المنزلية وأثره في استقرار الأسرة
يمثل توزيع المهام المنزلية بين أفراد الأسرة أحد العوامل المهمة في تحقيق الاستقرار الأسري، لأنه يعزز التعاون...
المزيد »
القدوة الحسنة وأثرها في التربية الإسلامية وبناء شخصية المسلم
تعد القدوة الحسنة من أهم الوسائل التي اعتمدت عليها التربية الإسلامية في بناء الإنسان، فالسلوك العملي...
المزيد »
كتلة تحت الجلد.. متى تكون بسيطة ومتى تستدعي الفحص الطبي؟
قد يلاحظ بعض الأشخاص ظهور كتلة أو عقدة صلبة تحت الجلد في الذراع أو الساق أو الرقبة أو في مناطق مختلفة...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي
كشفت دراسة يابانية حديثة عن تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها رصد مؤشرات مرتبطة بارتفاع ضغط الدم...
المزيد »
الأجداد مدرسة الاحترام الأولى..
يمثل احترام كبار السن قيمة إنسانية وأخلاقية رفيعة، ويعد من السلوكيات التي ينبغي أن يتعلمها الأبناء منذ...
المزيد »
الخوف من المرض والتقدم في العمر..
الخوف من المرض والتقدم في العمر من المشاعر الإنسانية التي قد ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته،...
المزيد »
كيف يتجنب الزوجان سوء الفهم وسوء الظن؟..
تقوم الحياة الزوجية الناجحة على المودة والرحمة والثقة المتبادلة، غير أن هذه المعاني قد تتعرض للاهتزاز...
المزيد »
بين بر الوالدين وحقوق الزوجة..
يجد بعض الأزواج أنفسهم أمام مسؤولية دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والوعي، وهي التوفيق بين بر الوالدين...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك