![]()
المسؤولية في الإسلام..
أساس بناء الشخصية وتنمية وعي الناشئة
- الأسرة المسلمة
- التربية الإسلامية
زياد الشرشابي
المسؤولية في الإسلام..
أساس بناء الشخصية وتنمية وعي الناشئة
تعد المسؤولية من القيم الأساسية التي يقوم عليها البناء الأخلاقي والتربوي في الإسلام، فهي ليست مجرد التزام بأداء واجب معين، وإنما شعور داخلي يدفع الإنسان إلى القيام بما عليه من حقوق وواجبات، ومراقبة تصرفاته ونتائج أعماله، وتحمل تبعات قراراته أمام الله تعالى وأمام نفسه والمجتمع.
وقد أكد الإسلام مبدأ المسؤولية تأكيدا واضحا، وربط بين الإنسان وأعماله، وبين ما يترتب عليها من نتائج، قال تعالى: “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه”. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، وهو توجيه شامل يرسخ في النفس أن كل فرد له دائرة من المسؤوليات تتناسب مع موقعه وقدرته ودوره في الحياة.
وتبدأ المسؤولية من الإنسان تجاه نفسه، ثم تمتد إلى أسرته ومجتمعه وبيئته وسائر ما يقع تحت قدرته واختصاصه، ولذلك فإن تنشئة الأبناء على تحمل المسؤولية تعد من أهم الأسس التي تسهم في بناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة تحديات الحياة.
المسؤولية قيمة تربوية وليست مجرد تكليف
ينبغي أن يفهم الناشئ أن المسؤولية ليست عقوبة أو عبئا يفرض عليه، وإنما هي قيمة تمنحه الثقة بنفسه وتساعده على اكتساب القدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
فالطفل الذي يتعود ترتيب أغراضه، والمحافظة على أدواته، والالتزام بواجباته الدراسية، ومساعدة أسرته، واحترام المواعيد، يتعلم بصورة عملية أن لكل فعل نتيجة، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن واجباته.
ومن هنا تأتي أهمية تحويل المسؤولية إلى سلوك يومي يمارسه الناشئ بصورة تدريجية، بدلا من الاقتصار على تقديم النصائح والمواعظ النظرية. فالممارسة العملية أكثر قدرة على غرس القيم وترسيخها في الشخصية.
القدوة الصالحة وأثرها في بناء المسؤولية
تعد القدوة من أقوى الوسائل التي تساعد على تنمية الشعور بالمسؤولية لدى الأبناء، فالناشئ يتأثر بما يراه من سلوك والديه ومعلميه أكثر مما يتأثر بما يسمعه من توجيهات.
وعندما يرى الطفل والديه ملتزمين بوعودهما، حريصين على أداء واجباتهما، معتذرين عند الخطأ، محافظين على حقوق الآخرين، فإنه يتعلم أن المسؤولية سلوك عملي وليست كلمات تقال.
ولهذا فإن الأسرة مطالبة بأن تقدم نموذجا حيا للمسؤولية، وأن تجعل الالتزام بالواجب واحترام الوقت والوفاء بالعهد وتحمل نتائج الأخطاء جزءا من الحياة اليومية داخل المنزل.
التربية التدريجية على تحمل الواجبات
من الخطأ أن نطالب الناشئ بتحمل مسؤوليات كبيرة بصورة مفاجئة، بل ينبغي أن تبدأ التربية منذ الصغر بواجبات بسيطة تتناسب مع عمره وقدراته.
فيمكن تكليف الطفل بترتيب غرفته، والمحافظة على كتبه وأدواته، والمشاركة في بعض الأعمال المنزلية، ثم تتطور المسؤوليات مع تقدمه في العمر لتشمل إدارة وقته، وتنظيم دراسته، والمشاركة في خدمة أسرته ومجتمعه.
ويحتاج هذا الأسلوب إلى الصبر والمتابعة، مع تجنب القيام بكل شيء نيابة عن الأبناء؛ لأن الحماية الزائدة قد تحرمهم من فرصة التعلم واكتساب الخبرة. كما أن إعطاء الناشئ مساحة مناسبة لاتخاذ بعض القرارات يساعده على بناء الثقة بالنفس وتحمل النتائج.
المسؤولية الدينية والأخلاقية
يربط الإسلام المسؤولية بالإيمان والأخلاق، فالعبادات نفسها تربي الإنسان على الانضباط وتحمل الواجب، والصلاة تعلم المحافظة على الوقت، والصيام يدرب على ضبط النفس، والزكاة تغرس الشعور بحقوق الآخرين، وسائر العبادات تسهم في بناء شخصية واعية بواجباتها.
كما تشمل المسؤولية الأخلاقية الصدق والأمانة والوفاء بالعهد واحترام الآخرين والابتعاد عن إيذائهم. وينبغي أن يدرك الناشئ أن المسؤولية لا تقتصر على ما يفعله أمام الآخرين، وإنما تشمل أيضا ما يفعله في الخفاء، لأن الرقابة الحقيقية تبدأ من استشعار مراقبة الله تعالى.
المدرسة ودورها في تنمية المسؤولية
تؤدي المدرسة دورا مهما في تعزيز مفهوم المسؤولية لدى الناشئة، من خلال إسناد المهام المناسبة للطلاب، وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة، وتعويدهم على العمل الجماعي والالتزام بالقوانين والأنظمة.
كما يمكن للمعلم أن يعزز هذا المفهوم من خلال إشراك الطلاب في اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالأنشطة، وتكليفهم بمهام محددة، وتعزيز السلوك المسؤول بدلا من الاقتصار على العقاب عند الخطأ.
وتسهم الأنشطة المدرسية والتطوعية في نقل مفهوم المسؤولية من الجانب النظري إلى الواقع العملي، حيث يتعلم الطالب التعاون وخدمة الآخرين والمحافظة على الممتلكات العامة واحترام النظام.
وسائل عملية لترسيخ المسؤولية لدى الناشئة
هناك مجموعة من الوسائل التربوية التي يمكن للأسرة والمدرسة الاستفادة منها، من أبرزها تكليف الناشئ بمهام واضحة، ومنحه فرصة للتجربة والخطأ، وتعليمه أن لكل قرار نتيجة، مع الثناء على السلوك المسؤول وتشجيعه.
كما ينبغي تجنب المبالغة في العقاب، لأن الهدف من التربية هو بناء شخصية قادرة على تحمل المسؤولية، وليس تخويف الطفل من الخطأ. وعند وقوع الخطأ، من المفيد أن يناقش المربي الناشئ في أسباب الخطأ وكيفية إصلاحه، حتى يتحول الخطأ إلى فرصة للتعلم والنضج.
ومن المهم كذلك غرس روح المبادرة، وتعويد الأبناء على مساعدة الآخرين، والمشاركة في الأعمال التطوعية، واحترام الوقت، والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة.
المسؤولية طريق إلى جيل واع
إن تنمية المسؤولية لدى الناشئة ليست مهمة فردية تقع على عاتق الأسرة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمع بأسره.
وكلما نشأ الطفل على إدراك واجباته وحقوقه، واحترام الآخرين، وتحمل نتائج أفعاله، والاعتماد على نفسه في حدود قدرته، أصبح أكثر استعدادا للقيام بدوره في الحياة بصورة إيجابية.
ومن هنا فإن التربية الإسلامية تقدم منهجا متكاملا لبناء الإنسان المسؤول، يبدأ بالقدوة، ويمر بالتدريب والممارسة والتدرج، ويقوم على الثقة والتوجيه والمحاسبة، حتى يتحول تحمل المسؤولية من واجب مفروض إلى قيمة راسخة في الشخصية.
إن غرس هذه القيمة في نفوس الناشئة هو استثمار حقيقي في مستقبل المجتمع، لأن الجيل الذي يتعلم المسؤولية منذ صغره سيكون أكثر قدرة على صناعة القرار، ومواجهة التحديات، وخدمة وطنه ومجتمعه، والقيام بواجباته الدينية والأخلاقية والإنسانية بثقة ووعي.
- كلمات مفتاحية | الأمانة, الإيمان, التربية الإسلامية, الصدق, المسؤولية, النبي صلى الله عليه وسلم, الوفاء بالعهود, ضبط النفس



