![]()
انطفأ بصر الطفل ولم تنطفئ أبواب الأمل
- الأسرة المسلمة
- طبيبك الخاص
محمد الشرشابي
انطفأ بصر الطفل ولم تنطفئ أبواب الأمل
- طبيبك الخاص
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرًا على حرصكم على هذا الطفل، ونسأل الله تعالى أن يرد إليه بصره، وأن يقر عين والديه بعافيته.
بعرض رسالتكم على عدد من أطباء العيون وبعض الأطباء النفسيين وأيضا بعض الدعاة فإن أول ما ينبغي قوله هنا: إن فقدان البصر المفاجئ عند طفل في السادسة من عمره حالة تستحق تقييمًا طبيًا عاجلًا ومنظمًا، ولا يصح الاكتفاء فيها بعبارة “لم نجد سببًا”. فعدم ظهور السبب في الفحوص التي أُجريت لا يعني بالضرورة أن المرض بلا سبب، وإنما قد يعني أن السبب يحتاج إلى فحص أكثر تخصصًا، أو إلى وسيلة تشخيصية أخرى، أو إلى إعادة تقييم الحالة من منظور مختلف.
والطفل الذي يقول فجأة إنه لا يرى، أو يتصرف كما لو أن الغرفة قد أظلمت، يحتاج إلى أن يُؤخذ كلامه بجدية كاملة، حتى لو كانت بعض الفحوص الأولية طبيعية.
الفحوص الأولى لا تكشف الحقيقة كاملة
العين ليست وحدها المسؤولة عن الإبصار؛ فعملية الرؤية تبدأ باستقبال الضوء داخل العين، ثم تنتقل الإشارات عبر العصب البصري إلى الدماغ، وهناك تُترجم إلى صورة يفهمها الإنسان. ولذلك قد تكون المشكلة في القرنية أو العدسة أو الشبكية، وقد تكون في العصب البصري، أو في المسارات البصرية داخل المخ، أو في مناطق الدماغ المسؤولة عن تفسير المعلومات البصرية.
ومن هنا فإن عبارة “كل الأشعات سليمة” لا ينبغي أن تكون نهاية البحث، بل قد تكون بداية لسؤال أكثر دقة: ما الذي فُحص تحديدًا؟ وما الذي لم يُفحص؟
أنصح الأسرة، إذا كان فقدان البصر مستمرًا أو لم يُفسَّر حتى الآن، بأن يكون التقييم تحت إشراف استشاري طب عيون أطفال أو مركز متخصص في فقدان البصر لدى الأطفال، مع التأكد من وجود تقييم عصبي للأطفال عند الحاجة. وقد يحتاج الطبيب، بحسب نتائج الفحص السريري، إلى اختبارات متخصصة لوظائف الشبكية والعصب البصري، أو تقييم للمسارات البصرية والدماغ، إلى جانب مراجعة جميع الفحوص والأشعات السابقة بدل تكرارها بصورة عشوائية.
ومن المهم جدًا أن تحصل الأسرة على نسخ من جميع التقارير والصور والتحاليل والفحوص السابقة، وأن تُرتب زمنيًا: متى حدث فقدان البصر؟ هل كان في كلتا العينين أم إحداهما؟ هل وقع خلال دقائق أم ساعات أم أيام؟ هل يشعر الطفل بألم؟ هل يرى الضوء أو الظلال؟ هل يستطيع تحديد الألوان أو الأشكال؟ هل يصاحب الأمر صداع أو قيء أو دوار أو ضعف أو تنميل أو اضطراب في الكلام أو الحركة؟
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة للطبيب قد تكون مفاتيح تشخيصية بالغة الأهمية.
وإذا كان فقدان البصر مفاجئًا وما زال قائمًا، أو ترافق مع صداع شديد، قيء، اضطراب في الوعي، ضعف بأحد الأطراف، تشنجات، ألم شديد في العين، أو أي أعراض عصبية جديدة، فلا ينبغي انتظار موعد عادي، وإنما يلزم التوجه العاجل إلى قسم طوارئ مناسب للأطفال.
ليس كل ما لا نعرفه اليوم بلا تفسير
من أكثر الأمور قسوة على الوالدين أن يقال لهما: “لا نعرف السبب”. فالعقل البشري يحتمل المرض أحيانًا أكثر مما يحتمل الغموض؛ لأن معرفة المرض تمنح الإنسان شعورًا بأنه يمسك بخيط، أما الجهل بالسبب فيجعله يشعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه.
لكن ينبغي التفريق بين أمرين: عدم معرفة السبب حتى الآن، واستحالة معرفة السبب. وهما شيئان مختلفان تمامًا.
الطب يتقدم خطوة خطوة، وبعض الحالات النادرة لا يظهر وجهها إلا عندما تُجمع التفاصيل الصغيرة التي بدت في البداية متفرقة. وقد يكون الطفل قد خضع لفحوص كثيرة، ولكن السؤال ليس فقط: “كم عدد الفحوص التي أجريت؟”، بل: هل كانت الفحوص المناسبة للسؤال الطبي الصحيح؟
ولهذا لا أنصح الأسرة بالتنقل العشوائي بين المستشفيات والتخصصات، وإنما أن تختار جهة طبية متخصصة تستطيع أن تنظر إلى الحالة باعتبارها حالة واحدة متكاملة، وتراجع التاريخ المرضي والفحص السريري والفحوص السابقة، ثم تضع خطة تشخيصية واضحة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تقع الأسرة في فخ البحث عن “علاج سحري” لمجرد أن التشخيص لم يتضح بعد. فكلما طال غموض الحالة، زادت قابلية الإنسان للتعلق بأي وعد، وهنا يجب أن يكون الحذر شديدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطفل.
الدعاء لا ينافس الطب، والرقية لا تلغي التشخيص
أما ما ذكرتموه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء»، فهو معنى عظيم يفتح في قلب المبتلى باب الرجاء، لا باب الاستسلام.
الإيمان بأن لكل داء دواء لا يعني أن الإنسان يعرف الدواء في اللحظة نفسها، ولا يعني أن كل مرض سيُكتشف علاجه سريعًا، وإنما يربي المؤمن على ألا يحول جهلُه بالدواء إلى اعتقاد بأن الشفاء مستحيل.
وقد أمر الشرع بالأخذ بالأسباب، ولم يجعل التوكل بديلًا عن بذلها. ولذلك فليس من التوكل أن تترك الأسرة الأطباء وتكتفي بالدعاء، كما أنه ليس من الصواب أن تذهب إلى الأطباء وقلبها خالٍ من الرجاء بالله.
الدعاء والطب طريقان يلتقيان ولا يتعارضان.
ويجوز للوالدين أن يرقيا طفلهما بالرقية الشرعية، بقراءة القرآن والأدعية الثابتة، من غير اعتقاد أن الرقية وحدها تعني بالضرورة أن سبب المرض عين أو حسد أو سحر. فليس كل مرض مجهول السبب سحرًا، وليس كل حالة لم يفسرها الطبيب دليلًا على وجود أمر غيبي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن نسبة المرض إلى العين أو السحر بلا دليل قد تزيد خوف الأسرة، وتدفعها إلى ترك العلاج الطبي، أو الوقوع في أيدي من يستغلون حاجة الناس وضعفهم النفسي.
ليقرأ الوالدان القرآن، وليدعوا الله، وليقولوا: اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا، وليدعوا لطفلهما بما يفتح الله به عليهما، وليستمروا في البحث الطبي في الوقت نفسه.
فقدان البصر يستلزم دعما نفسيا ومعنويا
هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الجانب الطبي: نفسية الطفل.
فالطفل في السادسة من عمره قد لا يمتلك الكلمات التي يستطيع بها أن يشرح خوفه. وربما لا يكون أكثر ما يؤلمه فقدان الرؤية نفسه، بل شعوره بأنه لم يعد يفهم ما يحدث حوله.
لذلك يجب ألا تتحول حياته إلى غرفة فحوص متواصلة، ولا إلى نقاش دائم أمامه عن المرض، ولا إلى مشهد من البكاء والشفقة كلما دخل إلى المكان.
قولوا له بهدوء: “نحن معك، والأطباء يبحثون عن السبب، وسوف نفعل ما نستطيع، وأنت لست وحدك.”
ولا ينبغي تخويفه بالحديث المستمر عن احتمال عدم عودة البصر، ولا إعطاؤه وعودًا قاطعة بأن البصر سيعود حتمًا؛ لأن كلا الأمرين قد يترك أثرًا نفسيًا مؤلمًا. الأفضل أن يُقال له بصدق يناسب سنه: “نحن نأمل أن تتحسن، وسنستمر في العلاج والبحث.”
كما ينبغي أن يُعامل باعتباره طفلًا قادرًا على الحياة، لا باعتباره “مريضًا” طوال الوقت. حافظوا على روتينه قدر الإمكان، وتحدثوا معه، والعبوا معه، وأشركوه في الأنشطة المناسبة، وساعدوه على اكتساب وسائل للتعامل مع البيئة إذا استمر ضعف البصر.
وإذا ظهرت عليه علامات خوف شديد، أو اضطراب نوم، أو انطواء، أو نوبات بكاء متكررة، أو تغير واضح في السلوك، فمن المفيد الاستعانة بأخصائي نفسي للأطفال، لا لأن الطفل “مضطرب نفسيًا”، وإنما لأن الإنسان حين يمر بابتلاء كبير قد يحتاج إلى من يساعده على تعلم كيفية التكيف معه.
والأب والأم كذلك يحتاجان إلى العناية بنفسيهما؛ فالقلق الشديد قد يجعل الإنسان يتخذ قرارات متسرعة أو يتعلق بأي شخص يعده بالشفاء. والهدوء هنا ليس رفاهية، بل جزء من حسن إدارة الأزمة.
وأذكّر الأسرة بمعنى إيماني عظيم: الابتلاء ليس دليلًا على أن الله يكره عبده، كما أن العافية ليست شهادة على أن صاحبها أفضل عند الله. نحن لا نملك أن نفهم كل حكمة وراء المرض، لكننا نملك أن نحسن التعامل معه: صبرًا، ودعاءً، وبحثًا عن العلاج، وحفظًا للطفل من اليأس والخوف.
وأنصح الأسرة عمليًا بأن تجمع كل التقارير السابقة في ملف واحد، وتكتب بدقة قصة بداية فقدان البصر وتطورها، ثم تعرض الطفل على مركز متخصص في طب عيون الأطفال وفقدان البصر المفاجئ لدى الأطفال، مع تقييم عصبي عند توصية الطبيب بذلك، وألا تتوقف عن البحث لمجرد أن الفحوص السابقة لم تصل إلى تشخيص.
فقد يكون باب الشفاء قريبًا، لكننا لا نعرف أي باب هو؛ ولذلك نطرق أبواب الطب، ونرفع أيدينا إلى السماء، ونفعل الأمرين بقلب واحد: قلب يأخذ بالأسباب، ولا ييأس من رب الأسباب.
والله تعالى نسأل أن يشفي هذا الطفل شفاءً تامًا، وأن يرد إليه بصره وعافيته، وأن يجعل صبر والديه ورعايتهما له في ميزان حسناتهما، وأن يهيئ له من أهل الطب من يهتدي إلى سبب مرضه وعلاجه.
- كلمات مفتاحية | الرقية الشرعية, الفحوص الطبية للعين, فقدان البصر المفاجئ



