![]()
كيف نعلّم أبناءنا الترفع دون أن نطلب منهم ابتلاع الإهانة؟
- الأسرة المسلمة
- استشارات عائلية
- يوجه بها وفق رؤية دينية واجتماعية
- الكاتب الصحفي
- / محمد الشرشابي
محمد الشرشابي
كيف نعلّم أبناءنا الترفع دون أن نطلب منهم ابتلاع الإهانة؟
- استشارات عائلية
هذه الاستشارة لا تتعلق في جوهرها بشعبة دراسية أخفيت، ولا بنتيجة امتحان ستُعلن، وإنما تتعلق بجرح أعمق: كيف نحمي أبناءنا من الإهانة دون أن نزرع في قلوبهم الحقد؟ وكيف نعلّمهم صلة الرحم دون أن نطلب منهم أن يعتادوا الظلم؟ وكيف نربيهم على الترفع دون أن يتحول الترفع عندهم إلى كبت، أو يتحول الصبر إلى قبول بالإذلال؟
وهذه أسئلة دقيقة؛ لأن التربية ليست أن نقول للطفل دائمًا: «تحمل»، كما أنها ليست أن نقول له دائمًا: «انتقم». بين الأمرين طريق أكثر نضجًا، قوامه أن يتعلم الإنسان الكرامة بلا كِبر، والعفو بلا استسلام، وصلة الرحم بلا تعريض النفس للأذى.
زوجك، بحسب ما تصفين، رجل طيب القلب، يرى أن بر أمه وصلة إخوته واجب ديني وأخلاقي، وهذا المعنى في أصله صحيح. فالإنسان لا يقطع رحمه لمجرد أن العلاقة شابها التوتر، ولا يجوز أن تتحول الخلافات بين الكبار إلى قطيعة شاملة بين العائلات. لكن صلة الرحم لا تعني أن يقف الإنسان متفرجًا على ظلم يقع على زوجته أو أبنائه، ولا أن يطلب منهم أن يحتملوا الإهانة باسم البر.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين يختلطان على كثير من الناس: صلة الرحم، والتعرض المستمر للأذى. يمكن للزوج أن يبر أمه ويصل إخوته، وأن يسأل عنهم ويزورهم، من غير أن يفرض على زوجته وأبنائه مخالطة تفصيلية لأشخاص يسيئون إليهم. كما يمكن للإنسان أن يحفظ صلة الرحم بوسائل مختلفة، بحسب طبيعة العلاقة ودرجة الأذى.
فالرحم لا تُوصل بالضرورة بالجلوس الطويل، ولا بكثرة الزيارات، ولا بإتاحة الفرصة لكل قريب أن يتدخل في حياة الأسرة. قد تكون الصلة بزيارة مختصرة، أو اتصال، أو سؤال، أو تهنئة، أو مساعدة عند الحاجة. أما إذا تحولت العلاقة إلى مصدر دائم للإهانة أو السخرية أو التقليل من الأبناء، فهنا يصبح من الحكمة تقليل الاحتكاك، لا بقصد الانتقام، بل بقصد حماية الأسرة.
أما أبناءك، فإنهم في مرحلة عمرية لم يعودوا فيها عاجزين عن فهم ما يجري. ومن الخطأ أن نطلب منهم أن يتظاهروا بأنهم لا يرون ما يرونه. الطفل الصغير يمكن أن نقول له: «لا تهتم»، أما الابن أو الابنة اللذان نضجا وأصبحا يدركان التناقضات، فإن إنكار مشاعرهما قد يجعلهما يشعران بأن والديهما لا يفهمانهما.
لذلك لا تقولي لهم: «أقاربكم طيبون مهما فعلوا»، إذا كانوا قد تعرضوا فعلًا للإساءة؛ لأن ذلك قد يهز ثقتهم في إدراكهم للواقع. والأفضل أن تقولي لهم شيئًا من قبيل: «نحن نعرف أن بعض التصرفات التي صدرت من أقاربنا لم تكن جيدة، ومن حقكم أن تتألموا منها، لكننا لا نريد أن تتحول إساءتهم إلى أخلاق فينا».
هذه الجملة وحدها تربي الطفل على التوازن. فهي لا تنكر الألم، ولا تقدس الأقارب لمجرد أنهم أقارب، ولا تجعل الانتقام مبدأ.
أما موقف ابنتك الصغرى من إخفاء الشعبة الدراسية، فهو مفهوم نفسيًّا. يبدو أنها لم تكن تريد مجرد «مفاجأة» خالاتها، بل كانت تبحث عن لحظة تشعر فيها بأنها استعادت اعتبارها. الإنسان حين يُقلل الآخرون من شأنه قد يتمنى أن يأتي يوم يثبت فيه لهم أنهم أخطأوا في تقديره.
لكن هنا ينبغي أن ننتبه إلى الفرق بين النجاح من أجل الذات، والنجاح من أجل الرد على الآخرين. ابنتك ينبغي أن تتعلم أن تفوقها ملك لها، وأنه ثمرة تعبها، وليس سلاحًا في معركة مع خالاتها. فإذا أصبح نجاحها مرتبطًا بإغاظتهن، فقد منحنهن مكانة أكبر مما يستحقن؛ لأن الإنسان الذي يجعل حياته كلها محاولة لإثبات نفسه أمام الآخرين يظل، بطريقة غير مباشرة، أسيرًا لنظرتهم إليه.
لذلك، لا أرى أن عليك أن تشعري بالذنب الشديد بسبب إخفاء الشعبة. فربما فعلت ذلك في لحظة أردت فيها حماية مشاعر ابنتك ومساندتها، ولا ينبغي أن تحاكمي نفسك بقسوة. لكن من المهم الآن أن تنتقلي من مرحلة «إخفاء المعلومة» إلى مرحلة إعادة بناء طريقة التعامل مع الموقف.
فإذا ظهرت النتيجة وعرفت خالاتها الشعبة التي كانت فيها، فلا داعي لأن تبرري طويلًا، ولا أن تدخلي في معركة دفاعية، ولا أن تقولي: «لقد أخفينا عنكم الأمر لأنكم كنتم تقللون من شأنها». هذا قد يحول نجاح ابنتك إلى مواجهة جديدة.
وإذا سأل أحد عن سبب عدم إخباره، فيمكن أن يكون الرد هادئًا ومختصرًا: «كانت ابنتي في فترة دراسية حساسة، وأردنا أن نتركها تركز في دراستها بعيدًا عن كثرة الأسئلة والتعليقات». هذا رد لا يكذب، ولا يفتح بابًا للخصومة، ولا يحول النتيجة إلى محاكمة عائلية.
أما غضب والديك، فإن كانا قد تأذيا من عدم معرفتهما، فمن المناسب أن توضحي لهما بهدوء أنك لم تقصدي إهانتهما أو إبعادهما، وإنما تصرفت تحت ضغط نفسي ورغبة في حماية ابنتك من التعليقات التي كانت تؤلمها. والوالدان لهما مكانتهما، لكن محبتهما لا تعني أن تتخلي الأم عن مسؤوليتها في حماية ابنتها من الضغط النفسي.
وهنا نصل إلى قضية مهمة: ليس كل إخفاء قطيعة، وليس كل كشف صراحة، وليس كل صمت حكمة، وليس كل مواجهة شجاعة. الحكمة أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ومتى يصمت، وما الذي ينبغي أن يُقال، ولمن، وبأي طريقة.
وقد يكون من المفيد أن تتحدثي مع ابنتك قبل إعلان النتيجة، لا لتوبيخها، بل لتصحيح الدافع. قولي لها بوضوح: «أنا أفهم أنك تألمت من بعض الكلام، وأعرف أنك أردت أن تثبتي لهم أنك قادرة، لكن نجاحك أكبر من أن يكون ردًا على أحد. أنتِ تدرسين من أجل نفسك، ومستقبلك، وطموحك، لا من أجل أن يندم أحد أو يندهش أحد».
فإذا حققت نتيجة ممتازة، فلتفرح بها، ولتحتفل بتعبها، ولتترك للآخرين ردود أفعالهم. إن فرحوا فخير، وإن لم يفرحوا فلا ينبغي أن تُسرق فرحتها بسبب ذلك. من أعظم صور الانتصار أن ينجح الإنسان دون أن يصبح نجاحه معركة.
أما ما يتعلق بعلاقتها بأقاربها، فلا أنصح بالقطيعة الشاملة، ولا بالإجبار على علاقة مؤذية. علّمي أبناءك أن لهم حقًا في صلة الرحم، لكن لهم أيضًا حقًا في اختيار درجة القرب التي تحفظ كرامتهم وراحتهم النفسية. فليس من الحكمة أن نلقي أبناءنا في كل مجلس يعلمون مسبقًا أنهم سيخرجون منه مكسورين، ثم نقول لهم: «اصبروا لأنهم أقاربكم».
وفي المقابل، لا ينبغي أن نربيهم على أن كل قريب لا يمدحهم هو عدو، أو أن كل ملاحظة هي إهانة، أو أن كل اختلاف في المعاملة دليل على الحقد. فالأبناء في هذه المرحلة يحتاجون إلى تدريب على التمييز: ما الذي يُعد إساءة حقيقية؟ وما الذي هو مجرد اختلاف؟ وما الذي ينبغي الرد عليه؟ وما الذي ينبغي تجاوزه؟
فليس كل تجاهل إهانة، وليس كل نقد تقليلًا، وليس كل عدم إعجاب بالإنسان كراهية له. لكن إذا تكرر الاستهزاء، أو السخرية، أو التحقير، أو المقارنة الجارحة، أو التعمد في إفساد فرحة الأبناء، فهنا ينبغي للأبوين أن يضعا حدودًا واضحة.
وحدود الأسرة لا تُوضع بالصراخ، ولا بالفضائح، ولا بإعلان الحرب على الأقارب، بل بجمل هادئة ومواقف ثابتة. فإذا صدر كلام جارح أمام الأبناء، يمكن للأب أو الأم أن يقول: «نحن نقبل النصيحة، لكننا لا نقبل الإهانة»، أو: «دعونا نتحدث عن الأمر دون تجريح». وإذا استمر التجاوز، ينتهي اللقاء أو يقل الاحتكاك دون حاجة إلى مشاجرة.
أما زوجك، فالمسألة تحتاج إلى حديث هادئ بعيد عن لحظات الغضب. لا تجعلي الحوار معه قائمًا على اتهامه بأنه «ضعيف» أو «لا يدافع عنك»، لأن هذه العبارات قد تدفعه إلى الدفاع عن نفسه بدل فهم مشكلتك. تحدثي معه بلغة المسؤولية المشتركة: «أنا لا أطلب منك أن تقطع أمك أو إخوتك، ولا أريد أن أمنعك من برهم، لكنني أحتاج منك أن تفرق بين صلة رحمك بهم وبين السماح بأن يتعرض أبناؤنا للإهانة».
وقولي له إن الأبناء لا يحتاجون فقط إلى أب يحب أقاربه، بل يحتاجون أيضًا إلى أب يشعرون بأنه يحمي كرامتهم. وليس المقصود بالحماية أن يخاصم الجميع أو يدخل في مشاجرات، وإنما أن يعلن بوضوح أن الإساءة إلى أولاده ليست مقبولة.
ومن الناحية الدينية، فإن بر الوالدين وصلة الرحم من أعظم الفضائل، لكن الشريعة لا تجعل صلة الرحم بابًا لظلم الزوجة أو الأبناء. كما أن العفو فضيلة، لكنه لا يعني تعطيل العقل، ولا إسقاط الحدود، ولا إعطاء المسيء حصانة دائمة من نتائج إساءته. وقد يكون الإنسان واصلًا لرحمه وهو قليل الزيارة، إذا كان في كثرة المخالطة ضرر، وقد يكون قاطعًا لرحمه وهو كثير الحضور إذا كان يحمل الأذى والعدوان.
والأم في هذه الحالة مطالبة بأمرين متوازنين: أن تحمي أبناءها من أن يتحولوا إلى أشخاص ناقمين على عائلاتهم، وأن تحميهم في الوقت نفسه من أن يعتادوا قبول الإهانة باسم التسامح. علميهم أن يقولوا في داخلهم: «قد لا أستطيع تغيير أخلاق الآخرين، لكنني أستطيع أن أختار أخلاقي، وأن أضع مسافة آمنة حين يلزم الأمر».
وأما أنت، فلا تحملي نفسك مسؤولية كل ما يقع بين أبنائك وأقاربهم. لقد حاولتِ أن توجهيهم إلى الترفع، وهذا حسن، لكن الترفع لا يعني أن يبتسم الإنسان لمن يطعنه كل مرة، ولا أن يظل يشرح للمسيء لماذا يجب ألا يسيء. أحيانًا يكون أرقى رد على من يقلل من شأنك أن تنشغل ببناء نفسك، لا بإقناعه بقيمتك.
ولعل ما تحتاجه ابنتك الآن قبل إعلان النتيجة ليس خطابًا طويلًا عن خالاتها، بل حضنًا ورسالة واضحة: «أنتِ لستِ مطالبة بأن تثبتي قيمتك لأحد. نتيجتك ستفرحنا لأنها ثمرة تعبك، لا لأنها ستجعل الآخرين يندمون».
فإذا جاءت النتيجة كما تتمنون، فليكن الاحتفال بها هادئًا ونقيًّا، ولا تحولوها إلى مناسبة للشماتة أو المقارنة. وإذا حاول أحد أن يقلل منها، فلا تدخلي في سجال طويل. يكفي أن يُقال: «الحمد لله، اجتهدت ووفقت، ونحن سعداء بها». فهناك انتصارات تفقد جمالها حين نرفعها في وجه الآخرين، وهناك نجاحات تزداد بهاءً حين نحفظها من الضجيج.
- كلمات مفتاحية | الإهانة الأسرية, حماية الأبناء, صلة الرحم



