![]()
عقوق الأبناء.. أسبابه وطرق التعامل معه وبناء جسور البر داخل الأسرة
- الأسرة المسلمة
- قوامون
زياد الشرشابي
عقوق الأبناء.. أسبابه وطرق التعامل معه وبناء جسور البر داخل الأسرة
ظاهرة عقوق الأبناء من أكثر المشكلات الأسرية التي تترك آثارا عميقة على استقرار البيت وتماسكه، خاصة عندما تتحول الخلافات الطبيعية بين الآباء والأبناء إلى قطيعة أو إساءة أو تجاهل لمشاعر الوالدين وحقوقهما. ولا يمكن التعامل مع العقوق باعتباره مجرد سلوك عابر أو مرحلة مؤقتة في حياة الابن، بل هو مشكلة تحتاج إلى فهم أسبابها ودراسة الظروف التي أدت إليها، ثم البحث عن وسائل عملية للعلاج والوقاية.
وتزداد أهمية معالجة هذه المشكلة في ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي أثرت في شكل العلاقات داخل الأسرة، وأصبحت معها الفجوة بين بعض الآباء والأبناء أكثر وضوحا، نتيجة اختلاف طريقة التفكير ووسائل التواصل وتوقعات كل طرف من الآخر.
العقوق ليس وليد لحظة واحدة
غالبا لا يظهر عقوق الأبناء بصورة مفاجئة، وإنما يكون نتيجة تراكمات بدأت في مراحل مبكرة من التربية. فقد ينشأ الابن في بيئة يسودها الصراخ المستمر أو القسوة أو المقارنة بين الأبناء أو التقليل من شأنه، فيتكون لديه شعور بالرفض أو الغضب تجاه والديه، ومع مرور الوقت يتحول هذا الشعور إلى سلوك عدائي أو تجاهل أو ابتعاد.
وفي المقابل، قد يكون التدليل الزائد أحد أسباب المشكلة، عندما ينشأ الابن معتادا على الحصول على كل ما يريده دون تحمل مسؤولية أو قبول للرفض، فيصبح من الصعب عليه التعامل مع أي توجيه أو نصيحة من والديه، ويرى أن مطالبه حق مكتسب لا يجوز مناقشته.
ومن هنا، فإن علاج العقوق لا يبدأ دائما من لحظة ظهور السلوك، وإنما يبدأ بالعودة إلى جذوره ومحاولة اكتشاف الظروف التي ساهمت في تكوينه.
أبرز أسباب عقوق الأبناء
تتعدد أسباب العقوق من أسرة إلى أخرى، لكن هناك مجموعة من العوامل التي تتكرر بصورة واضحة، وفي مقدمتها ضعف التواصل بين الآباء والأبناء. فعندما يتحول الحوار داخل المنزل إلى أوامر ونواه فقط، يفقد الابن شعوره بأنه مسموع ومفهوم، وقد يبحث عن مساحة أخرى للتعبير عن نفسه بعيدا عن أسرته.
كما تعد القسوة الزائدة والإهانة المستمرة من الأسباب التي تدفع الأبناء إلى العناد والتمرد، خاصة عندما يشعر الابن أن كرامته لا تحظى بالاحترام داخل منزله. وكذلك تؤدي المقارنات المستمرة بين الأبناء أو بينهم وبين أصدقائهم وأقاربهم إلى خلق مشاعر الغيرة والنقص، وقد تتحول هذه المشاعر مع الوقت إلى غضب تجاه الوالدين.
وتلعب الخلافات الزوجية دورا مهما أيضا، فالأبناء الذين يعيشون في أجواء مليئة بالمشاحنات قد يتأثرون نفسيا وسلوكيا، وقد يصبح أحد الوالدين طرفا في صراع مع الآخر من خلال الابن، وهو أمر يترك آثارا خطيرة على علاقة الأبناء بوالديهم.
ولا يمكن إغفال تأثير الأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي وبعض الأفكار التي تقدم بصورة خاطئة مفهوم الحرية والاستقلال، فتجعل بعض الأبناء ينظرون إلى أي نصيحة أبوية باعتبارها تدخلا غير مقبول في حياتهم.
كيف يتعامل الوالدان مع الابن العاق؟
أولى خطوات العلاج هي الابتعاد عن رد الفعل الانفعالي. فالصراخ في مواجهة الصراخ، والإهانة في مواجهة الإساءة، والتهديد في مواجهة التمرد، غالبا ما تزيد المشكلة تعقيدا. لذلك يحتاج الوالدان إلى قدر كبير من الهدوء، مع وضع حدود واضحة للسلوك غير المقبول دون تحويل المنزل إلى ساحة مستمرة للصراع.
ويأتي الحوار الهادئ في مقدمة وسائل العلاج، على أن يكون الهدف منه فهم الأسباب وليس مجرد توجيه الاتهامات. ويمكن للأب أو الأم أن يسألا الابن عن أكثر الأمور التي تزعجه، وما الذي يشعر بأنه غير مفهوم من جانب الأسرة، ثم الاستماع إلى إجاباته دون مقاطعة أو سخرية.
ولا يعني الاستماع إلى الابن الموافقة على كل تصرفاته، وإنما يساعد على اكتشاف جذور المشكلة. فالوالدان مطالبان بالجمع بين الحزم والرحمة، بحيث يعرف الابن أن له حقوقا ومشاعر يجب احترامها، وفي الوقت نفسه فإن عليه واجبات تجاه أسرته، وفي مقدمتها احترام والديه وعدم الإساءة إليهما.
التربية بالقدوة قبل الأوامر
من الصعب أن يطلب الوالدان من أبنائهما الاحترام إذا كان الحوار داخل الأسرة يقوم على الإهانة، كما يصعب إقناع الأبناء بأهمية الرحمة إذا كانوا يشاهدون القسوة بصورة دائمة في تعامل الكبار مع بعضهم.
لذلك تمثل القدوة واحدة من أهم وسائل الوقاية من العقوق. فالابن يتعلم من الممارسة أكثر مما يتعلم من النصائح، وعندما يرى والديه يحترمان بعضهما، ويتعاملان مع الكبار برحمة، ويختلفان دون إهانة، يصبح أكثر استعدادا لاكتساب هذه السلوكيات.
كما ينبغي منح الأبناء مساحة مناسبة من الاستقلال تتناسب مع أعمارهم، لأن التربية القائمة على السيطرة المطلقة قد تدفع الابن إلى البحث عن الحرية بعيدا عن الأسرة، بينما تساعد المشاركة في اتخاذ بعض القرارات على بناء الثقة وتحمل المسؤولية.
متى نحتاج إلى تدخل متخصص؟
في بعض الحالات لا تكفي المحاولات الأسرية وحدها، خاصة إذا وصل الأمر إلى القطيعة المستمرة أو العنف اللفظي أو الجسدي أو الانسحاب الكامل من الأسرة. وهنا يصبح اللجوء إلى متخصص في الإرشاد الأسري خطوة مهمة، وليس دليلا على فشل الوالدين.
ويمكن للمتخصص أن يساعد أفراد الأسرة على تحديد أسباب الصراع، وتنظيم الحوار، وفهم الاحتياجات النفسية لكل طرف، ووضع قواعد واضحة للتعامل داخل المنزل. كما قد يكون من المفيد إشراك الابن في جلسات الحوار إذا كان عمره ودرجة وعيه يسمحان بذلك.
الوقاية تبدأ من السنوات الأولى
التعامل مع عقوق الأبناء لا ينبغي أن يبدأ بعد تفاقم المشكلة، وإنما منذ السنوات الأولى من التربية. فالحب غير المشروط، والاحترام، والعدل بين الأبناء، والاستماع إليهم، وتعليمهم المسؤولية، وتعويدهم على الاعتذار والشكر، كلها عوامل تساعد على بناء شخصية متوازنة وقادرة على تقدير الأسرة.
- كلمات مفتاحية | الأبناء, الوالدين, عقوق الوالدين



