![]()
عمر بن عبد العزيز..
بداية خلافة قامت على الزهد والعدل ورد الحقوق
عمر بن عبد العزيز..
بداية خلافة قامت على الزهد والعدل ورد الحقوق
بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك، تولى عمر بن عبد العزيز أمر الخلافة في موقف كشف منذ اللحظات الأولى عن منهجه في الحكم، القائم على الزهد والتواضع والابتعاد عن مظاهر السلطان.
فبعد أن غُسّل سليمان بن عبد الملك وكُفّن، تقدم عمر بن عبد العزيز للصلاة عليه، ثم شارك في دفنه، وعندما انتهى من مراسم الدفن وخرج من المقابر، لاحظ حركة واضطرابا في الأرض، فسأل متعجبا:
“ما هذه؟”
فقيل له: هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قُرّبت إليك لتصعد عليها.
وكان من عادة الخلفاء أن تُجهز لهم مراكب فاخرة عند توليهم الحكم، بما يعكس هيبة الدولة ومكانة الخليفة، إلا أن عمر بن عبد العزيز اختار طريقا مختلفا منذ البداية.
رفض مظاهر الترف واختيار طريق التواضع
لم يلتفت عمر بن عبد العزيز إلى مراكب الخلافة، وقال: “مالي ولها، نحوها عني، قربوا إلي بغلتي”.
فأبعدت مراكب الخلافة، وأُحضرت بغلته التي كان يركبها قبل أن يصبح خليفة، فامتطى دابته كما اعتاد، في صورة عكست بساطته وابتعاده عن مظاهر الرفاهية التي كانت مرتبطة بمنصب الخلافة.
ولم يكن هذا التصرف مجرد موقف عابر، بل كان إعلانا مبكرا عن فلسفته في الحكم؛ فالسلطة عنده مسؤولية وأمانة، وليست وسيلة للترف أو التميز عن الناس.
رفض رموز الهيبة أمام الناس
وعندما خرج عمر بن عبد العزيز متوجها إلى المسجد، جاء صاحب الشرطة يسير أمامه بالحربة، وهي من علامات السلطان وهيبة الحكم في ذلك العصر.
فقال له عمر بن عبد العزيز: “تنح عني، مالي ولك، إنما أنا رجل من المسلمين”.
بهذه الكلمات أكد الخليفة الجديد أنه يرى نفسه واحدا من المسلمين، وأن مكانته لا تمنحه حق التعالي عليهم، بل تزيد من مسؤوليته تجاههم.
أول خطاب لعمر بن عبد العزيز بعد الخلافة
دخل عمر بن عبد العزيز المسجد، ثم صعد المنبر أمام المسلمين لإلقاء أول خطاب له بعد توليه الخلافة، وكانت كلماته تحمل رسالة واضحة عن منهجه في الحكم.
فقال:
“أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم”.
وكان هذا الموقف دليلا على تواضعه وشعوره بثقل المسؤولية، إذ لم يتعامل مع الخلافة باعتبارها حقا شخصيا، بل أمانة عظيمة تحتاج إلى رضا الأمة وقبولها.
لكن المسلمين لم يختاروا غيره، وأعلنوا رضاهم به خليفة، قائلين:
“قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك”.
وصية جامعة تقوم على التقوى والعدل
بعد أن استقرت البيعة له، حمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وجه المسلمين إلى أعظم ما يعينهم في حياتهم، وهو تقوى الله.
وقال:
“أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف”.
وأكد أن من جعل همه الآخرة كفاه الله أمر دنياه، داعيا إلى إصلاح القلوب والسرائر، لأن صلاح الداخل سبب لصلاح الظاهر.
كما حث على الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله، مبينا أن تذكر النهاية يجعل الإنسان أكثر حرصا على العمل الصالح وترك الظلم.
منهج إصلاح ورد الحقوق
تحدث عمر بن عبد العزيز عن حال الأمة، موضحا أن الخلاف الحقيقي ليس في أصول الدين، وإنما كثير من النزاعات تكون بسبب الدنيا والمصالح.
وقال:
“وإني والله لا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا”.
وكان هذا الإعلان بمثابة عهد منه بإقامة العدل، ورد المظالم، وعدم تقديم أحد على أحد إلا بالحق.
الطاعة مرتبطة بطاعة الله
وفي ختام خطابه وضع عمر بن عبد العزيز قاعدة مهمة في علاقة الحاكم بالرعية، فقال:
“يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”.
وكانت هذه الكلمات تلخص رؤيته للحكم؛ فالطاعة ليست مطلقة للأشخاص، وإنما مرتبطة بالحق والعدل والالتزام بأمر الله.
خليفة عرف بالعدل والزهد
بدأ عمر بن عبد العزيز خلافته برسائل عملية قبل الأقوال، فأظهر الزهد في المظاهر، والحرص على العدل، والاهتمام بحقوق الناس. ولهذا بقيت سيرته نموذجًا للخليفة الذي جمع بين قوة المسؤولية وبساطة العيش، حتى عده كثير من العلماء والمؤرخين من أبرز خلفاء المسلمين في العدل والإصلاح.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أمير المؤمنين, الحق, الخلافة, العدل, حقوق الناس, سليمان بن عبد الملك, عمر بن عبد العزيز



