![]()
عدة المطلقة..
اجتهادات معتبرة في بعض التفاصيل
عدة المطلقة من الأحكام الشرعية المهمة التي نظم بها الإسلام العلاقة بين الزوجين بعد وقوع الطلاق، وجعلها فترة زمنية تتريث فيها المرأة قبل أن تتزوج بزوج آخر، وقد وردت أحكام العدة في القرآن الكريم والسنة النبوية، إلا أن بعض تفاصيلها كانت محل اجتهاد بين العلماء، مما أدى إلى ظهور عدد من الآراء الفقهية المبنية على فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها.
معنى العدة وحكمتها
العدة هي المدة التي تنتظرها المرأة بعد فراق زوجها بطلاق أو وفاة أو فسخ نكاح قبل أن يحل لها الزواج بغيره.
ومن أهم الحكم التي ذكرها العلماء للعدة:
التأكد من براءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب.
إعطاء فرصة للمراجعة بين الزوجين في الطلاق الرجعي.
إظهار احترام رابطة الزواج وآثارها.
تحقيق الاستقرار الأسري والاجتماعي.
مواضع الاتفاق بين العلماء
اتفق الفقهاء على أن:
عدة الحامل تنتهي بوضع حملها، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
عدة الآيسة من الحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر.
أما أبرز الخلافات فقد كانت في بعض التفاصيل المتعلقة بالمطلقة التي تحيض.
الخلاف في معنى “القروء”
من أشهر المسائل الخلافية في باب العدة تفسير ثلاثة قروء في قوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
اختلف العلماء في معنى كلمة “القروء” على قولين مشهورين:
القول الأول: القروء هي الحيضات
وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، واختاره عدد من السلف، واستدلوا بأن لفظ “القرء” يُطلق في اللغة العربية على الحيض، وأن هذا التفسير رُوي عن عدد من الصحابة.
وعلى هذا القول تنتهي عدة المطلقة بعد مرور ثلاث حيضات كاملة.
القول الثاني: القروء هي الأطهار
وهو مذهب المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة، واستدل أصحاب هذا الرأي بأحاديث وآثار تدل على أن المراد بالقروء فترات الطهر بين الحيضات.
وبناء على هذا القول فإن العدة تنقضي بدخول المرأة في الحيضة الثالثة بعد مرور ثلاثة أطهار.
سبب الخلاف بين الفقهاء
يرجع الخلاف أساسا إلى أن كلمة “القرء” من الألفاظ المشتركة في اللغة العربية، إذ استعملت عند العرب بمعنى الحيض واستعملت أيضًا بمعنى الطهر، لذلك اجتهد العلماء في ترجيح أحد المعنيين اعتمادا على الأدلة الشرعية واللغوية.
وهذا النوع من الخلاف يُعد من الخلاف الاجتهادي المعتبر الذي وسع فيه العلماء دائرة النظر والاستنباط.
عدة المطلقة التي انقطع حيضها
اختلف الفقهاء كذلك في بعض الصور المتعلقة بالمرأة التي كانت تحيض ثم انقطع حيضها دون أن تبلغ سن اليأس.
فذهب جمهور العلماء إلى أنها تنتظر حتى يعود الحيض أو يتبين سبب الانقطاع، ثم تعتد بما يقتضيه حالها.
وذهب بعض أهل العلم إلى تقدير مدة معينة عند تعذر معرفة السبب، مراعاة لرفع الحرج وتحقيق مقصود العدة.
أثر الخلاف الفقهي
الخلاف في بعض تفاصيل العدة لم يكن خلافا في أصل الحكم، وإنما في كيفية تطبيق بعض النصوص وفهم مدلولاتها، وقد اتفق العلماء على أن العدة واجبة بنص القرآن الكريم، وأن الالتزام بها من الأحكام الشرعية الثابتة.
كما أن هذا الخلاف يُظهر ثراء الفقه الإسلامي وسعته، ويبين الجهد الكبير الذي بذله العلماء في استنباط الأحكام من النصوص الشرعية.
ومسألة عدة المطلقة من الموضوعات التي تناولها الفقهاء بعناية كبيرة، واتفقوا في معظم أحكامها واختلفوا في بعض تفاصيلها، وأشهر تلك الخلافات تفسير معنى “القروء” الواردة في القرآن الكريم، وقد استند كل فريق إلى أدلة شرعية ولغوية معتبرة، مما جعل هذه المسألة نموذجا للخلاف الفقهي المبني على الاجتهاد والنظر في النصوص، ويبقى الأصل الذي أجمع عليه العلماء هو وجوب العدة والالتزام بأحكامها تحقيقا لمقاصد الشريعة في حفظ الأنساب وصيانة الأسرة والمجتمع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأحكام الشرعية, الحنابلة, الحنفية, السنة النبوية, الشافعية, القرآن الكريم, المالكية, النصوص الشرعية, عدة المطلقة



