المقاصد الخمس الكبرى..

خارطة الإنسان في الشريعة

حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك يقوم عليها بناء الحياة الإنسانية كلها؛ فحفظ الدين يقف في صدارة هذه المقاصد لأنه الرابط بين الإنسان وخالقه...
المقاصد الخمس الكبرى..

المقاصد الخمس الكبرى..

خارطة الإنسان في الشريعة

حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك يقوم عليها بناء الحياة الإنسانية كلها؛ فحفظ الدين يقف في صدارة هذه المقاصد لأنه الرابط بين الإنسان وخالقه والمحور الذي تدور حوله سائر الكليات، ولذلك شرعت أحكام العقيدة والعبادة والجهاد لصون هذا الرابط من كل ما يُهدده.
وحفظ النفس يأتي في المرتبة الثانية، وهو الذي أسّس لتحريم القتل وشرّع القصاص وأوجب الدفاع عن النفس، لأن الحياة البشرية مقدّسة في الشريعة لا تُستباح إلا بحقها. وحفظ العقل، ذلك المقصد الجليل الذي تضمنت الشريعة كثيراً من أحكامها لأجله، حتى كان تحريم الخمر والمسكرات لباً من لباب هذا المقصد الجليل لأن العقل هو المناط الذي تتعلق

به التكاليف الشرعية ويتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات.

وأما حفظ النسل فهو الضمانة التي تكفل استمرار الوجود الإنساني وتصون الأسرة من التفكك، فشُرعت له أحكام الزواج والطلاق والنسب ونظام المحارم والعقوبات الرادعة. وختاماً حفظ المال الذي أرسى له الفقهاء نظاماً متكاملاً من أحكام البيوع والإجارات وتحريم الربا والسرقة، لأن المال عصب الحياة وعليه تقوم مصالح الإنسان في دنياه. وتلك الكليات الخمس لم تُوضع كأحكام معزولة يقف كل واحد منها في زاوية بعيدة عن الآخر، بل هي منظومة متضامنة تتداخل وتتكامل ويخدم بعضها بعضاً، وهذا الإدراك للترابط الداخلي بين المقاصد هو ما يُميّز فقيه المقاصد عن فقيه النص الجزئي.

لماذا الحاجة إلى المقاصد؟ من التقنين إلى الروح

قد يتساءل متسائل: ما الذي يعجز عنه الفقه التقليدي القائم على النص المباشر حتى يُستدعى علم المقاصد؟ والجواب أن النصوص الشرعية، على غزارتها وشمولها، لا تستطيع أن تستوعب بصيغتها الحرفية كل ما يستجد من وقائع وأحداث وتحولات، فالوحي قد انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما زال الزمن يُنتج ما لم يُنتجه من قبل من أسئلة ومستجدات لم يرد فيها نص صريح. فإذا اقتصر الفقيه على النص الجزئي وحده، وقف عاجزاً أمام ما لا نص فيه، أو أساء التطبيق حين أعمل النص في غير سياقه الصحيح فأنتج حكماً يناقض الغاية التي من أجلها شُرّع النص ابتداءً.
وقد ضرب العلماء على هذا المعنى أمثلة لا تُحصى، من أبرزها مسألة تأخير الصلاة في حالة القتال الشديد، إذ جاء النص بوجوب الصلاة في وقتها، لكن مقصد الشارع من الجهاد وصون الدولة الإسلامية قد يقتضي تأخيرها عند الضرورة القصوى، وهو ما أجازه الفقهاء استناداً إلى تقديم المقصد الكلي حين يتزاحم مع الحكم الجزئي. وعلى هذا الأساس بنى ابن القيم الجوزية مقولته الشهيرة بأن الفقه هو معرفة مقاصد الشريعة لا مجرد حفظ ألفاظها، وأن من قصر علمه على المتون دون المقاصد أفضى به ذلك إلى ظلم بدلاً من العدل وإلى مشقة بدلاً من اليسر.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الحاجة إلى علم المقاصد لا تتجلى في ضرورة وجود فراغ تشريعي وحسب، بل تتجلى بصورة أعمق في ضرورة فهم النصوص الموجودة أصلاً فهماً صحيحاً. فالمقاصد ليست بديلاً عن النص، ولا هي مسوّغ للتحلل منه أو القفز فوقه، بل هي المنهاج الذي يُضيء النص ويكشف أبعاده ويُمكّن الفقيه من تنزيله على الواقع بما يحقق الغاية التي أرادها الشارع الحكيم، لا بما يُحقق حرفية اللفظ على حساب المعنى والغاية.

المقاصد في مواجهة التحديات الراهنة

لو أن علماء المقاصد الأوائل استيقظوا في زماننا هذا، لوجدوا أن العالم يطرح أسئلة لم تخطر على بال القرون الماضية، أسئلة من قبيل: ما حكم الذكاء الاصطناعي في إصدار الفتاوى؟ وكيف تتعامل الشريعة مع أخلاقيات الهندسة الجينية؟ وهل تحريم الربا الذي جاء لحفظ المال يمتد ليشمل أنظمة التداول الرقمي الحديثة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من مجرد تفتيش حرفي في المتون الفقهية القديمة، بل تستلزم العودة إلى المقاصد الكلية لاستخلاص الحكم من روح الشريعة حين تعجز ألفاظها عن الوصول إلى ما استجدّ.
ولعل أبرز ما أسهم به المعاصرون في تطوير هذا العلم ما صنعه الإمام الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1973 ميلادية في كتابه الرائد “مقاصد الشريعة الإسلامية”، حين أضاف إلى المقاصد الخمس الموروثة أبعاداً جديدة كمقصد الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، موسّعاً الإطار المقاصدي ليستوعب متطلبات الحياة المعاصرة. وفي هذا التوسيع ما يدل على أن علم المقاصد ليس أثراً متحفياً تحنّطه الأجيال بل هو علم حيّ ينمو ويتطور مع الإنسان ومع ما يواجهه من أسئلة وتحديات. وإن الفقيه الذي يُحسن توظيف هذا العلم لا يُحكم على الواقع بمقاييس أُفرغت من مضامينها الإنسانية، بل يُحكم عليه بمقاييس تُحقق ما أراد الشارع تحقيقه من رفع الحرج ودفع المشقة وتيسير سبل الحياة الكريمة للإنسان في كل زمان ومكان.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »
تحولات المجتمع واختبار الأخلاق..
تحتل الأخلاق مكانة أساسية في حياة الإنسان، فهي الإطار الذي ينظم علاقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه، وتحدد طبيعة...
المزيد »
إخراج القيمة في الزكاة..
الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل...
المزيد »
المنهج الدعوي عند الصحابة
يمثل عصر الصحابة رضي الله عنهم مرحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد شهد انتشار الإسلام من شبه الجزيرة...
المزيد »
التيارات الفكرية بين الانفتاح الثقافي والثوابت الدينية
يشهد العالم المعاصر انفتاحا ثقافيا واسعا بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، حتى...
المزيد »
القياس في أصول الفقه..
يعد القياس من أهم الأدلة التي اعتمد عليها علماء أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية للوقائع التي لم...
المزيد »
فقه الواقع وأهميته في نجاح الداعية المعاصر
من العلوم والمعارف المهمة التي يحتاج إليها الداعية في عصرنا الحاضر فقه الواقع، إذ لم تعد الدعوة تقتصر...
المزيد »
الخطابة..
الخطابة من أقدم فنون التواصل التي عرفها الإنسان، ومن أكثرها قدرة على التأثير في العقول والمشاعر وتوجيه...
المزيد »
شبهة تعدد الزوجات..
تعد شبهة تعدد الزوجات من أكثر الشبهات التي تتكرر عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، إذ يذهب بعض المنتقدين...
المزيد »
الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..
تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال،...
المزيد »
فقه الأقليات المسلمة
يعد فقه الأقليات المسلمة من المجالات الفقهية المعاصرة التي اكتسبت أهمية متزايدة مع اتساع وجود المسلمين...
المزيد »
المضاربة..
المضاربة من أبرز صيغ الاستثمار التي أقرها الفقه الإسلامي، وهي تقوم على التعاون بين طرفين، يقدم أحدهما...
المزيد »
الإمام الشاطبي وبناء علم المقاصد الشرعية
يعد الإمام أبو إسحاق الشاطبي واحدا من أبرز علماء أصول الفقه الذين أسهموا في ترسيخ علم المقاصد الشرعية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك