دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة

دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة متعددة، واستحبها جمهور الفقهاء....
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة

دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة

في تلك اللحظة الرهيبة التي يقف فيها المرء بين يدي الله، بعد أن انتهى التكبير وسكتت الأصوات، وقبل أن يُفتح القرآن الكريم بفاتحة الكتاب، ثمة فضاء صغير من الزمن يكاد يكون مجهولاً لدى كثير من المصلين؛ فضاء ملأه النبي ﷺ بكلمات بالغة العمق، تجمع بين الاعتراف بالعظمة الإلهية والإقرار بالضعف البشري، وتُهيّئ الروح لاستقبال كلام الله. هذا الفضاء هو دعاء الاستفتاح، تلك السنة التي هجرها كثيرون دون أن يدركوا ما فاتهم، بل دون أن يعلموا كثيرٌ منهم أنها كانت أصلاً.

ما هو دعاء الاستفتاح؟

دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة متعددة، واستحبها جمهور الفقهاء. وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا كبّر للصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، فسأله عن تلك السكتة فأخبره أنه يقول: “اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ”، وهو حديث رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى رواها مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان النبي ﷺ يستفتح بدعاء آخر مطوّل يبدأ بـ”وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً”، وهو دعاء يجمع بين التوحيد والتبرؤ والاستسلام في كلمات تشبه العهد المتجدد مع الله في كل ركعة.
والأدعية الواردة في الاستفتاح متعددة، مما يدل على أن النبي ﷺ كان يتنوع فيها ولا يلتزم دعاءً بعينه دائماً، وهذا من سعة الشريعة ويُسرها، إذ يُخيَّر المصلي بين هذه الأدعية الثابتة ليختار منها ما يناسبه ويُحضر قلبه.

البلاغة العميقة في الكلمات

ما يلفت الانتباه في دعاء الاستفتاح الأول ليس فحسب مضمونه العقدي، بل تلك الصور البيانية المذهلة التي اختارها النبي ﷺ ليصف بها المسافة بين المؤمن وذنوبه. فحين يطلب من الله أن يُبعد بينه وبين خطاياه “كما باعد بين المشرق والمغرب”، فهو لا يصف المسافة الجغرافية وحسها، بل يصف الاستحالة؛ لأن المشرق والمغرب لا يلتقيان أبداً. وهذه صورة تُعبّر عن أمل الإنسان في أن يكون بمنأى كامل عن ماضيه من المعاصي.
ثم تأتي الصورة الثانية: تنقية الثوب الأبيض من الدنس، وهي استعارة تُشير إلى الفطرة الإنسانية التي خُلق عليها الإنسان نقيةً، فيما تعلق بها من أوضار الذنوب دخيلٌ طارئ يمكن إزالته. أما الصورة الثالثة فتتجاوز الخيال إلى الحسّ المباشر: الغسل بالماء والثلج والبرد، وكأن الروح تشعر بلذة الطهارة وبرودة العفو حين تنطق بهذه الكلمات. وقد أشار العلماء إلى أن الجمع بين الماء والثلج والبرد يُفيد المبالغة في التنظيف والتأكيد على الاستيعاب الكامل لكل أثر من آثار الذنب، فكل أداة من أدوات الطهارة تأتي لتُتمّ ما بدأته الأخرى.

لماذا هُجرت هذه السنة؟

ثمة أسباب متشابكة أفضت إلى شيوع هذا الهجران. أولها غياب التعليم الديني التفصيلي الذي يتجاوز الواجبات إلى المستحبات؛ إذ يتعلم كثيرون الصلاة عن طريق المشاهدة والمحاكاة دون تأصيل نظري يُعرّفهم بالسنن ودرجاتها. فالطفل الذي يتعلم الصلاة خلف والده يرى ما يراه، ويصمت حين يصمت، لكنه لا يسمع ما يُسرّ به في تلك السكتة القصيرة، فينشأ على ظن أنها مجرد فراغ.
ويُضاف إلى ذلك أن ثقافة التسرع في العبادة ألقت بظلالها الثقيلة على الصلاة في العصر الحديث؛ فالصلاة في كثير من المساجد باتت تُؤدَّى في أقصر وقت ممكن، وأصبح التطويل مذموماً في الأذهان حتى لو كان في حدود المشروع. والسنن المندرجة في هذه الفجوات الزمنية القصيرة — كسكتة الاستفتاح، والسكتة بين الفاتحة والسورة، والطمأنينة في الركوع والسجود — هي أول ما يختفي حين يتسابق الناس إلى الانتهاء.
وربما كان من أخفى الأسباب أن بعض العلماء والمشايخ لا يُعلّمون هذه السنة بالقدر الكافي في دروس تعليم الصلاة، إذ يركزون على الأركان والواجبات باعتبارها الأولى بالاهتمام، فيتضاءل حضور السنن في وعي المتعلم حتى يكاد يختفي.

كيف تستعيد هذه السنة؟

استعادة سنة الاستفتاح لا تتطلب جهداً استثنائياً، بل تتطلب أولاً الوعيَ بوجودها. فمن عرف هذا الدعاء وحفظه وفهم معناه، وجد نفسه راغباً فيه تلقائياً، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الكلام الذي يُعبّر عما يجيش في قلبه، وما أكثر من يدخل إلى الصلاة وهو يحمل ثقل ذنوبه وضعفه وحاجته إلى الله، فيجد في هذا الدعاء لساناً يُعبّر عنه قبل أن يسمع كلام الله.
والخطوة العملية هي حفظ أحد هذه الأدعية الثابتة — ولو دعاء البخاري ومسلم القصير وتكراره في الصلوات حتى يصبح راسخاً. ولمن كان يُصلي إماماً، فإن في تعليم المأمومين هذه السنة أثراً تربوياً يتعدى نفسه إلى من يقتدون به، وهذا من أجمل ما في سنن الصلاة الجماعية.
وما أجمل أن يستشعر المصلي أن تلك الثوانٍ بعد التكبير ليست صمتاً فارغاً، بل هي نفَس يأخذه قبل أن يقف بين يدي الله، وكلمات تفتح له باباً يدخل منه إلى الصلاة بروحٍ مختلفة؛ روح من عرف أنه جاء ليُنقَّى لا ليُحاسَب فحسب، وأن الله الذي يقف بين يديه يُحب أن يعفو أكثر مما يُحب أن يعاقب.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك