العِلمُ شرطُ الشهادة..

التوحيد معرفةً قبل أن يكون كلمة

ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا في سورة محمد: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ"...
العِلمُ شرطُ الشهادة..

العِلمُ شرطُ الشهادة..

التوحيد معرفةً قبل أن يكون كلمة

ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا في سورة محمد: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ”. فالله سبحانه لم يقل “فقل” ولم يقل “فاذكر”، بل قال “فاعلم”، مُصدِّراً الأمر بفعل المعرفة والإدراك العقلي، ومُقدِّماً العلم على كل ما يتلوه من أعمال القلب والجوارح. وفي هذا التقديم دلالةٌ بالغة الأثر تفتح أمامنا أفقاً واسعاً من التأمل في طبيعة شهادة التوحيد، إذ إنها ليست كلمةً تُنطق باللسان مجردة من وعي، ولا رسماً يُكتب على الورق بلا روح، بل هي أول ما يجب أن يستقر في القلب ويستنير به العقل قبل أن يتحرك اللسان بالنطق أو تنبعث الجوارح للعمل. وقد جعل العلماء هذا المعنى شرطاً أول من شروط “لا إله إلا الله” السبعة المشهورة، فجاء العلم في صدارة القائمة لأنه الأساس الذي لا يقوم لشرطٍ آخر وزنٌ بدونه.

العلم بالشهادة.. ما معناه وما حدوده

حين يشترط العلماء “العلم” شرطاً للشهادة، فهم لا يعنون به مجرد الحفظ اللفظي للكلمة أو معرفة ترجمتها الحرفية، بل يعنون شيئاً أرحب وأعمق تصفه كتب العقيدة بأنه: العلم بمعنى “لا إله إلا الله” نفياً وإثباتاً، المنافي للجهل به. ومعنى الجملة نفياً: أن لا معبودَ بحقٍّ في الوجود كله، لا في السماوات ولا في الأرض، لا صنم ولا وثن ولا نبي ولا وليٌّ ولا مَلَك، بل تُنفى الألوهية الحقة عن كل ما سوى الله نفياً قاطعاً لا استثناء فيه. أما الإثبات فهو: أن الألوهية ثابتةٌ لله وحده لا شريك له، ثبوتاً يستلزم إفراده بالعبادة والطاعة والمحبة والخوف والرجاء. وبين النفي والإثبات يتشكّل وعيٌ كامل وموقف وجودي شامل، هو ما يُسمى في لغة العقيدة بـ”التوحيد”. وقد نبّه الإمام ابن القيم رحمه الله إلى أن كثيراً ممن يتلفّظون بهذه الشهادة لا يُحسنون فهم مدلولها، فيقعون في صور من التعلق بغير الله تُناقض ما أقرّوا به بألسنتهم، لأن اللسان نطق حين غفل القلب، والقلب لا يثمر إلا إذا استنار بالعلم الحق الذي يُميّز له الإله الحق من الإله الباطل.

الجهل بالله.. الخطر الذي لا يُدرَك أحياناً

ومما يزيد هذه المسألة أهميةً أن الجهل بمعنى الشهادة قد يسكن في قلب مَن لا يعلم أنه جاهل، وهذا هو وجهه الأشدّ خطراً وأعسر علاجاً. فالإنسان حين يجهل مسألةً حسابية يُدرك جهله ويسعى إلى التعلم، أما الجهل بالتوحيد فقد يُلبَس بثياب الإيمان ويُظنّ صاحبه أنه على هدى، في حين أن قلبه ممتلئٌ بتعلقات تُشارك الله في خصائص الألوهية دون أن يُسمّيها بمسمّاها. ولهذا كان السلف الصالح يُعلّمون أبناءهم كلمة التوحيد قبل أن يُعلّموهم أي شيء آخر، لأن بناء المعرفة الدينية بأسرها قائمٌ على هذا الأساس. وكان العلامة ابن عثيمين رحمه الله يُقرر أن الناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: عالمٌ بمعنى الشهادة عاملٌ بمقتضاها، وجاهلٌ يعترف بجهله فهذا يُرجى له التعلم، وجاهلٌ يظن نفسه عالماً وهو أعسر الأصناف علاجاً. وقد جاء قوله تعالى “فاعلم” أمراً من الله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق، ليدلّ على أن العلم بالتوحيد لا يبلغ الإنسان فيه غايةً يقف عندها، بل هو طريقٌ تتجدد فيه المعرفة وتتعمق كلما تدبّر المسلم آيات ربه وتفكّر في أسمائه وصفاته.

العلم والاستغفار.. الجمع بينهما في آيةٍ واحدة

ومن عجيب ما يستدعي التأمل في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه قرن الأمرَ بالعلم بالتوحيد مباشرةً بالأمر بالاستغفار فقال: “فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك”. وهذا القران بين التوحيد والاستغفار ليس تنقّلاً بين موضوعين مختلفين، بل هو كشفٌ لحقيقة عميقة مفادها أن العلم الحق بالله يستلزم حتماً الشعور بالتقصير في حقه، لأن من عَرَف الله حقاً أدرك أن عبادته تستحق أكثر مما يؤدي، وأن كل ما يقدّمه من طاعة هو دون ما تستوجبه عظمة الله. ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس استغفاراً وهو المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، لأنه كان أعلم الناس بربه فكان أشدّهم إحساساً بالقصور. وهذا المعنى يُفكّك المفهوم الشائع عند بعض الناس من أن الإيمان القوي يُورث الغرور الديني والشعور بالكمال، فالحقيقة العكسية تماماً؛ كلّما ازداد العبد معرفةً بربه ازداد تواضعاً وانكساراً وشعوراً بأنه لم يُوفِّ عهد التوحيد حقه، وذلك علامةٌ على صدق العلم وصحة الإيمان لا على ضعفهما.

العلم التوحيدي في مواجهة تحديات العصر

يعيش المسلم في عالم اليوم في خضمّ موجة متصاعدة من الإلحاد والتشكيك والضبابية الفكرية، وقد باتت أسئلة الوجود والغاية والمعنى تُطرح على الملأ بصورة غير مسبوقة، مما يجعل مسألة العلم بالتوحيد لا ترفاً فكرياً بل حاجةً عقديةً ماسّة. فالشهادة التي يتلفظ بها المسلم يومياً عشرات المرات تحمل في طيّاتها إجابةً شاملة على أكبر أسئلة الإنسان: من ربّك؟ ولماذا خُلقت؟ ولمن تخضع؟ غير أن هذه الإجابة لا تُفعل في الوجدان ولا تبني صاحبها إلا إذا كانت مستندةً إلى علمٍ حق وفهمٍ راسخ. وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة يُرسّخ في نفوس أصحابه معنى “لا إله إلا الله” قبل أن تُبنى المساجد وتُفرض الفرائض وتُقام الدولة، لأن التوحيد الصحيح هو القاعدة التي إذا استوت صلح ما فوقها، وإذا اضطربت تزعزع كل شيء فوقها مهما بدا شامخاً للعين.

روابط وكلمات مفتاحية
التالي
ذات صلة
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »
الطلاق السني والبدعي عند الإمام أبي حنيفة
الطلاق من الأحكام الشرعية التي نظمها الإسلام بدقة؛ حفاظا على استقرار الأسرة وتقليل آثار الانفصال السلبية،...
المزيد »
مقاصد إصلاح العالم..
لم يأتِ الإسلام إلى العالم بوصفه طقوسًا معزولة عن الحياة، ولا رسالةً روحية تنحصر في جدران المعابد، وإنما...
المزيد »
«العبرة للغالب الشائع لا للنادر»..
تعد قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" من القواعد الفقهية المهمة التي تعكس مرونة الشريعة الإسلامية...
المزيد »
حكم لمس المرأة وأثره على الوضوء بين المذاهب الفقهية
تظهر مسألة لمس المرأة ونقض الوضوء جانبا مهما من سعة الفقه الإسلامي، حيث اجتهد العلماء في فهم النصوص واستنباط...
المزيد »
الفرق بين الحد والقصاص في الشريعة الإسلامية 
يشترك الحد والقصاص في تحقيق العدالة وحماية المجتمع، لكنهما يختلفان في طبيعة الحق ونوع الجريمة وإمكانية...
المزيد »
سعيد بن زيد..
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي رضي الله عنه من كبار صحابة رسول الله ﷺ، ومن السابقين الأولين...
المزيد »
أويس القرني.. دعوة مستجابة بشر بها رسول الله
يبقى أويس القرني رمزا خالدا للبر والزهد والإيمان الصادق، وسيرته تذكير دائم بأن الأعمال الخفية الصادقة...
المزيد »
معركة بلاط الشهداء أوقفت التوسع الإسلامي بسبب صمود الفرنجة 
واصل المسلمون توسعاتهم الكبرى بعد فتح الأندلس عام 711م بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، حيث أصبحت شبه...
المزيد »
صمود عكا أمام نابليون
أثبتت معركة عكا أن التحصينات القوية، والقيادة الصلبة، والدعم الشعبي والعسكري المشترك، يمكن أن تصنع نصرًا...
المزيد »
زواجٌ مهد الله به لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
خرج محمد صلى الله عليه وسلم مع غلام خديجة ميسرة نحو الشام، وكانت تلك الرحلة هي التي ستُحدد مصير قصة الزواج...
المزيد »
«حب الوطن من الإيمان»..
إن مقولة "حب الوطن من الإيمان" ليست حديثا نبويا، رغم شيوعها الواسع بين الناس، لكن معناها العام لا يتعارض...
المزيد »
أذكار دخول المسجد.. نور للقلب وبركة في العبادة
أذكار دخول المسجد من السنن النبوية العظيمة التي تجمع بين الذكر والتعظيم وطلب الرحمة. وهي كلمات يسيرة...
المزيد »
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه حصن المسلم اليومي
الدعاء عند دخول المنزل والخروج منه من السنن النبوية العظيمة التي تحمل معاني الحفظ والبركة والتوكل على...
المزيد »
بشرٌ رسول..
في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك