بشرٌ رسول..

كيف نقرأ أفعال النبي بين التشريع والجِبِلَّة؟

في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد علمائها. مسألة لا تتعلق بحكم فرعي في باب من أبواب الفقه...
بشرٌ رسول..

بشرٌ رسول..

كيف نقرأ أفعال النبي بين التشريع والجِبِلَّة؟

في قلب الموروث الفقهي الإسلامي تكمن مسألة من أدق المسائل وأكثرها أثراً في حياة الأمة وتدينها واجتهاد علمائها. مسألة لا تتعلق بحكم فرعي في باب من أبواب الفقه، بل تتصل بالمنهج الذي نقرأ به السنة النبوية، وبالميزان الذي نزن به أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ونُقرر به ما يُلزم الأمة الاقتداء به وما يُترك لاجتهادها وظروف عصرها. وهذه المسألة هي التمييز بين ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بوصفه مشرعاً مبلّغاً وبين ما صدر عنه بوصفه إنساناً يعيش في بيئة ويتصرف وفق جِبِلَّته وعادة قومه.
وليس هذا التمييز ترفاً فكرياً يتداوله المتخصصون في دروس الأصول، بل هو في جوهره فرقٌ بين دينٍ حيٍّ متجدد قادر على مخاطبة كل زمان، وبين تديّنٍ شكلاني جامد يُحوّل أنماط الحياة اليومية لإنسان في القرن السابع الميلادي إلى قيود إلزامية على أمة تعيش في قارات شتى وعصور متلاحقة.

النبي بشرٌ رسول: الثنائية التي تُؤسّس المنهج

الآية القرآنية الكريمة: “قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا” ليست مجرد ردٍّ على من طالبوا النبي بآيات خارقة، بل هي تأسيسٌ منهجي عميق لقاعدة لا تستقيم فهم السنة دونها. فهي تُقرّر أن بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ليست أمراً عارضاً أو مؤقتاً، بل هي جزء من كينونته التي تحرّك بها في الواقع وعاش بها تفاصيل الحياة. فكان يأكل ويشرب ويمرض ويتعب، ويُفضّل بعض الطعام ويكره بعضه، ويختار هيئة في الجلوس وأسلوباً في المشي ونمطاً في اللباس وفق ما اعتاده العرب في بيئته وزمانه.
وهذا الإقرار القرآني بالبشرية لا يُنقص من مقامه صلى الله عليه وسلم ذرةً، بل يُضيف إلى عظمته بُعداً آخر، هو أن هذا الإنسان الذي كان يتناول الحلواء ويُحب العسل ويركب الإبل ويحمل سيفه في الغزوات، هو ذاته من بلّغ أكمل رسالة في التاريخ وأرسى أعظم منظومة أخلاقية وتشريعية عرفتها البشرية. فبشريته لا تتناقض مع رسالته، وإنما تجعل الرسالة أكثر قرباً من الإنسان وأشد اتصالاً بواقعه.
غير أن إغفال هذه الثنائية أفضى عبر التاريخ إلى خلطٍ جسيم، حيث جعل بعضهم كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم تشريعاً لازماً، حتى في أدق تفاصيل يومياته، وكأن الإسلام جاء ليُحدد لكل مسلم نوع الطعام الذي يأكله والهيئة التي يجلس بها في بيته. وهذا الفهم يُخالف روح الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد لا لتقييد حرياتهم في الدوائر التي تركها الوحي لتقدير الناس واجتهادهم.

جِبِلَّة وعادة وتشريع: مستوياتٌ لا تتساوى

تنبّه علماء الأصول مبكراً إلى هذا التمييز الدقيق. فقد كان ابن قتيبة الدينوري في القرن الثالث الهجري من أوائل من لفتوا الأنظار إلى أن السنة النبوية ليست على مرتبة واحدة من حيث دلالتها على الأحكام، ثم جاء الإمام القرافي المالكي فأضاء هذا الباب إضاءة لم يُسبق إليها، حين ربط أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بمناصبه المختلفة، فنظر إليه رسولاً مبلّغاً ومفتياً وقاضياً وإماماً في آنٍ واحد، واعتبر أن كل تصرف من تصرفاته يُقرأ بحسب الجهة التي صدر عنها.
وتتجلى هذه المستويات في أمثلة تُخرج المسألة من التجريد إلى الواقع المحسوس. فمن قبيل الجِبِلَّة البشرية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحب الحلواء والعسل، ويُفضّل بعض أنواع الطعام ويترك أخرى. ولم يُختلف أن هذا من مقتضى الطبع الإنساني، ولا يدل على حكم شرعي ملزم. وكذلك هيئات جلوسه ونومه وطريقة مشيه، فهي جِبِلَّات لا يُطلب من الأمة التعبد بها.
ومن قبيل العادة المألوفة أن لباسه صلى الله عليه وسلم كان وفق ما اعتاده قومه من الأزر والأردية والعمائم، ولم يُلزم أمته بشكل معين من اللباس لذاته، إنما المقصود تحقيق مقاصد الستر والحياء. وكذلك ركوبه الإبل واستخدامه أدوات الحرب المتاحة في عصره، فهي وسائل تتغير بتغير الزمان ولا يُطلب التقيد بها في كل عصر.
ولعل أبلغ الأمثلة في إيضاح هذا المنهج قصة تأبير النخل، حين أشار النبي بترك التأبير فاستجاب بعض الصحابة، فجاء المحصول رديئاً. فقال صلى الله عليه وسلم في درسٍ بالغ الأثر: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. وهذه الكلمة كانت توجيهاً عظيماً يفتح للأمة باب الاجتهاد في شؤون الزراعة والطب والصناعة وسائر أمور الدنيا، ويُقرّر أن ميدان الخبرة التجريبية له أهله وأهل الاختصاص فيه.

الفقه المقاصدي ميزانٌ يصون الدين من طرفيه

إن الخطأ في قراءة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع على جانبٍ واحد، بل يتهدد الفهم من طرفين كلاهما خطر. فالغلو الجامد الذي يُسوّي بين التشريع والجِبِلَّة يُحوّل الإسلام إلى منظومة أشكال جامدة تُثقل كاهل الناس وتُضيّق عليهم في دائرة تركها الله مفتوحة. وفي المقابل، فإن التساهل الذي يُذوّب الأفعال التشريعية في دائرة “العادات المتغيرة” يُعطّل جزءاً كبيراً من السنة ويفتح باباً للتفريط في الثوابت بدعوى مراعاة المتغيرات.
وقد نبّه علال الفاسي على خطورة تحويل بعض الأفعال العادية إلى معايير جامدة للتدين، تُضيّق على الناس وتُخرج الشريعة عن مقاصدها في التيسير ورفع الحرج. وهذه التنبيه ليس دعوة إلى تخفيف الدين بل دعوة إلى فقهه على وجهه الصحيح. فما كان تشريعاً صريحاً كأفعاله في الصلاة حين قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وفي الحج حين قال: “خذوا عني مناسككم”، فهذا دينٌ لا تساهل فيه ولا مساومة عليه. وما كان عادةً أو جِبِلَّة فهو من دائرة الإباحة الواسعة التي تتسع لكل عصر وكل بيئة.

الاتباع الحقيقي: اقتداءٌ بالمقاصد لا تقليدٌ للأشكال

وفي هذا يبلغ الفقه المقاصدي غايته الكبرى التي لم يُؤسَّس لغيرها. فالاتباع الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكمن في محاكاة تفاصيل حياته اليومية كما عاشها في بيئة الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، بقدر ما يكمن في الاقتداء بمقاصده الكبرى وغاياته العليا: تحقيق العدل ونشر الرحمة وإقامة التوازن بين مصالح الدين والدنيا وصون كرامة الإنسان.
وإدراك بشرية النبي صلى الله عليه وسلم لا يُنقص من مقامه الرفيع شيئاً، بل يكشف كيف يمكن للإنسان أن يبلغ أعلى درجات الكمال وهو يعيش داخل الحدود البشرية لا خارجها. وهذا بالضبط ما يجعله قدوةً حقيقية لكل إنسان في كل زمان، لأنه لم يكن كائناً مجرداً من المشاعر والطبائع والتفضيلات، بل كان إنساناً كاملاً في بشريته، نبياً كاملاً في رسالته، وفي الجمع بين هاتين الحقيقتين سر الاتباع وروح الاقتداء.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه أنماط الحياة بسرعة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، يغدو هذا الفهم ضرورة ملحّة لا خياراً نظرياً. فالشريعة التي جاءت لهداية الإنسان في كل زمان لا يمكن أن تُفهم فهماً يُحوّلها إلى عبء أو يجعلها في خصام مع الواقع. وهذا الفهم الوسط، الذي يُعطي لكل نوع من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حكمه الصحيح، هو الذي يحفظ للشريعة مرونتها وحيويتها، ويصونها في الوقت ذاته من الانزياح عن ثوابتها وأصولها.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك