الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة

يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ بتشريع العطاء وجعله واجباً دينياً، بل جعل التحريض عليه وحثّ الناس على القيام به فريضةً قائمةً بذاتها، لها...
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة

الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة

يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ بتشريع العطاء وجعله واجباً دينياً، بل جعل التحريض عليه وحثّ الناس على القيام به فريضةً قائمةً بذاتها، لها وزنها في الميزان، وثقلها في الحساب.

جاء في سورة الماعون قولُهُ تعالى: “أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ”، وفي سورة الحاقة جاء في وصف أهل الجحيم ذلك الاعتراف المدوّي على لسانهم: “وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ”، ووردت في سورة الفجر تلك العتبة الأخلاقية الكبرى: “وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينَ”. ثلاثة مواضع قرآنية تلتقي على سياق واحد يكشف عن منظومة متكاملة، لا مجرد نصوص متفرقة.

في دلالة الحضّ.. حين يصير التحريض عبادة

الحضّ في اللغة هو الحثّ والتشجيع والدفع نحو فعل شيء، وهو أعلى درجةً من مجرد الدعوة، إذ ينطوي على إلحاح ومبادرة واندفاع. وما يلفت النظر في هذه الآيات أن القرآن لم يعاتب على ترك الإطعام وحده، بل عاتب على ترك الحضّ عليه، أي أن الإنسان محاسَب ليس فقط على ما يفعله بيده ومالِه، بل على ما يفعله بلسانه وتأثيره في الآخرين. إن التقاعس عن تحريض المجتمع على إطعام المساكين جُعل علامةً فارقة على تكذيب الدين كله، وهذه مفارقة عميقة تكشف أن الإسلام لا يبني إنساناً فاضلاً في قرارة نفسه فحسب، بل يبني جماعةً فاضلة تحرّك بعضها بعضاً نحو الخير.

والمتأمل في السياق القرآني يجد أن الربط بين التكذيب بالدين وترك الحضّ على طعام المسكين ليس ربطاً اعتباطياً، بل هو كشفٌ عن حقيقة نفسية دقيقة، وهي أن الإيمان الصادق لا يقبل أن يرى صاحبه مسكيناً جائعاً ثم يمرّ به بارداً ساكناً. ومن ثَمَّ فإن برود المرء تجاه جوع المحتاج وعجزه عن تحريك الآخرين لإغاثته هو في جوهره دليلٌ على فتور إيماني أو تكذيب قلبي بما يستوجبه الدين من مسؤولية اجتماعية.

الإطعام في الإسلام.. شريعة تتجاوز الشعور الفردي

يعرف تاريخ الأخلاق الإنسانية كثيراً من الفلاسفة والحكماء الذين مدحوا الكرم وذمّوا البخل، ولكن الإسلام تجاوز مرتبة المدح والذم إلى مرتبة الفرض والمحاسبة. فطعام المسكين ليس منّةً يمنحها المُعطي متى شاء، ولا هبةً تطيّب بها الأغنياء خواطرهم، بل هو حقٌّ ثابت أودعه الله في أموال المُيسَّرين قبل أن يعلموا بوجوده: “وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”.

وقد تعددت صور هذا الإطعام في الشريعة الإسلامية تعدداً يدل على أن المسألة خُطِّط لها بعناية ربانية لا تدع ثغرة للفقر ينفذ منها. فثمة الزكاة الواجبة التي تُطهّر المال وتردّ إلى المحتاج حقه المقدّر. وثمة الكفّارات التي شُرعت عقوبةً للمخطئ وإغاثةً للجائع في آنٍ معاً، فكفارة الظهار والقتل الخطأ واليمين والجماع في رمضان كلها تمرّ في أحد أوجهها عبر إطعام المساكين. وثمة الفطرة التي شُرعت لتضمن ألا يكون في الأمة في يوم العيد من يفتقر إلى طعامه. وثمة العقيقة والأضحية والهدي، ويجري في كل واحدة منها نصيب معلوم للمساكين. وثمة النذر الذي يشمل إطعام المساكين وسيلةً للوفاء به. وثمة صدقة التطوع التي فتح الإسلام بابها على مصراعيه حتى جعل ابتسامتك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وجعل الكلمة الطيبة صدقة. كل هذه الأبواب مفتوحة في كل حين، وكلها ترفد نهراً واحداً يتدفق نحو هدف واحد: ألا يبيت جائع في مجتمع يؤمن بالله.

حين يُقرن الجوع بالكفر.. البعد العقدي للإطعام

ما يميّز الإسلام في هذه المسألة تمييزاً جذرياً عن سائر المنظومات الأخلاقية هو ذلك الربط المتكرر والصريح بين ترك الإطعام والكفر والتكذيب بالدين. لم يقل القرآن إن الذي لا يُطعم إنسانٌ بخيل أو شخص قاسي القلب، بل ربطه بتكذيب الدين وبالتردّي في النار. ففي سورة المدثر نقرأ اعتراف أهل النار: “قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ”، فجاء ترك الإطعام قريناً لترك الصلاة في ذكر أسباب دخول النار، وهي مقارنة تفصح بجلاء عن المرتبة الدينية لهذه المسألة في سلّم القيم الإسلامية.

وقد أدرك المفسرون هذا البعد وأولوه عنايةً خاصة. يقول ابن كثير في تفسير آية الماعون إن ربط التكذيب بالدين بزجر اليتيم وترك الحضّ على طعام المسكين يدل على أن هذه الأفعال من أبرز الكاشفات عن حقيقة الإيمان وصدقه. فليس الإيمان شعوراً خفياً يختبئ في القلب، بل هو طاقة تتجسد في سلوك ملموس يُحسّه الفقير والجائع قبل أن يُحسّه أحد آخر.

ويمضي هذا المنطق القرآني في اتجاه حضاري بالغ الدلالة، وهو أن الدين الحق لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الصلاة التي لا تنتهي بصاحبها إلى إطعام الجائع صلاةٌ ناقصة الأثر، بل لفتت سورة الماعون إلى هذه الحقيقة حين وصفت المصلين الذين يُراؤون بصلاتهم ويمنعون الماعون بوصف الويل، جامعةً بين الخلل في العبادة والخلل في العطاء في سياق واحد.

الحضّ الاجتماعي.. منهج قرآني لبناء المجتمع الكافل

ثمة لفتة قرآنية لا تكاد تجدها في غير الخطاب الإسلامي، وهي أن الآية في سورة الفجر لم تقل “لا تُطعمون المسكين”، بل قالت “لَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ”، وصيغة المفاعلة هنا تشير إلى فعل مشترك متبادل بين أبناء المجتمع، كأن الإسلام يريد لكل فرد أن يكون منبّهاً لأخيه ومحرّضاً له ومستحثاً إياه على الخير، في دورة اجتماعية مستمرة لا تتوقف. وهذا التصوّر يتجاوز الفردانية الأخلاقية التي تقول لك: أدِّ واجبك وانتهِ، إلى منهج جماعي يرى كل عضو في المجتمع مسؤولاً ليس فقط عن فعله الشخصي بل عن تأثيره في الآخرين وتوجيههم نحو البر.

وفي هذا السياق تتجلى عبقرية المنهج الإسلامي في التعامل مع مسألة الفقر، إذ لا يعدّها مشكلة يحلّها الحاكم وحده بالتوزيع، ولا مشكلة يحلّها الغني وحده بالتصدق، بل هي مسؤولية مجتمعية يتشارك فيها الجميع، غنيّهم وفقيرهم وعالمهم وجاهلهم، كل بما يملك وما يستطيع، سواء أكان ذلك بالمال أم باللسان أم بالسعي أم بإيقاظ الضمير.

ولعل في قصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ما يُجسّد هذا المفهوم تجسيداً حياً، ذلك الصحابي الجليل الذي كان يطوف في المدينة يُذكّر الأغنياء بحق الفقراء في أموالهم، حتى كان عمر رضي الله عنه يقول إنه يخاف من أبي ذر على أصحاب الأموال ما يخافه المال من النار. وهو نموذج نبوي مضيء لما يعنيه الحضّ الاجتماعي حين يتحول من آية تُتلى إلى سلوك يُعاش.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك