بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..

أين يقف المثقف المسلم اليوم؟

الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً من المثقفين المسلمين: مركب الدونية أمام الإنجاز الغربي، ومركب الوهم أمام صورة مُثالية للتاريخ الإسلامي لم تعكس...
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..

بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..

أين يقف المثقف المسلم اليوم؟

ثمة أسئلة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تنتمي إلى زمن مضى، لكنها حين تُمسّ تتكشَّف عن جمرٍ لم يبرد. ومن هذه الأسئلة بامتياز ذلك السؤال الذي طرحه المثقف المسلم على نفسه منذ أن اصطدمت الحضارة الإسلامية بالحداثة الغربية في تجلياتها الأولى: كيف نتجدد دون أن نذوب؟ وكيف نتمسك بهويتنا دون أن نتحجر؟ وأين تقع الحدود الفاصلة بين الانفتاح المثمر والانبهار المُفضي إلى التلاشي؟
هذا السؤال وُلد في رحم الصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، حين رأى المثقف العربي المسلم لأول مرة بعينيه ذلك الفارق الهائل الذي كان يُحسب خرافةً أو مبالغة. ومنذ تلك اللحظة التاريخية الفاصلة انقسم المثقفون إلى فريقين متجاذبين لم يتوقف الشد بينهما حتى اليوم: فريق رأى في الغرب النموذج الذي لا مناص من الاقتداء به كاملاً، وآخر رأى في التراث الحصن الذي لا ينبغي مغادرته قيد أنملة. وبين هذين الفريقين الصاخبين ضاع صوت التوسط الرشيد الذي كان يحاول أن يُميِّز بين ما هو إنساني مشترك وما هو خصوصية حضارية لا تنفك عن هوية بعينها.
والغريب في أمر هذا الجدل أنه لم يُجدِّد نفسه بقدر ما جدَّد أسئلته وملابساته. فبعد أن كان الصراع يدور حول اللباس والتعليم وتحرير المرأة في مطلع القرن العشرين، انتقل في منتصفه إلى الأيديولوجيا والقومية والاشتراكية، ثم تحوَّل في نهايات القرن إلى الهوية والأصالة والعولمة، وها هو اليوم يرتدي رداء جديداً حين تطرحه منصات التواصل الاجتماعي وخطاب حقوق الإنسان والتحولات الكبرى في موازين الحضارة، فيظل السؤال الجوهري هو هو، مع تبدل اللغة والمصطلحات والوقائع.

التنوير الإسلامي.. حلم لم يكتمل أم مشروع قائم؟

التنوير بوصفه مفهوماً يُشير في أصله الغربي إلى تلك الحقبة من القرن الثامن عشر التي رفع فيها الفيلسوف الأوروبي لواء العقل في مواجهة السلطتين الدينية والسياسية، مطالباً بالحرية والعدالة والمساواة. وحين انتقل هذا المصطلح إلى عالمنا العربي والإسلامي، حمل معه قدراً كبيراً من الالتباس، إذ راح بعضهم يستخدمه للدلالة على الإصلاح الديني، وآخرون للدلالة على العلمانية، وثالثون للدلالة على التحديث بمفهومه الأشمل. وهذا الالتباس في المفهوم كان من أولى العقبات التي اعترضت مشروع التنوير الإسلامي وحالت دون تبلوره في صورة متماسكة ومتسقة.
غير أن المتتبع لتاريخ الفكر الإسلامي الحديث سيلحظ أن ثمة تياراً تنويرياً إسلامياً حقيقياً قد نبت ونما، وإن ظلَّ مختلفاً في جوهره عن التنوير الغربي. فجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في مشرق العالم العربي، والطاهر بن عاشور في مغربه، وسيد أحمد خان في الهند، وآخرون في إيران وتركيا وإندونيسيا، هؤلاء جميعاً كانوا يُمثلون محاولات جادة لبناء خطاب تنويري ينبع من داخل الإسلام ويُعيد قراءة العقيدة والشريعة بعيون عصرها دون أن يتخلى عنهما. وكانوا يدركون أن النهضة لا تُبنى على أنقاض الهوية، وأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج بل من داخل الروح والضمير.
ومع ذلك فإن هذا المشروع التنويري الإسلامي لم يبلغ نضجه الكامل ولم يُرسِّخ مؤسساته. ويُحيل المفكرون هذا القصور إلى جملة من العوامل المتشابكة: فمن جهة، لم تجد هذه التيارات الإصلاحية البيئة الملائمة في ظل التسلط الاستعماري الذي شغل الأمة بمعارك البقاء والتحرر قبل معارك البناء والتجديد. ومن جهة أخرى، أُخِذت هذه التيارات بين فكَّي رحى صاعقتين: الموروث الجامد الذي يرفض كل تجديد رفضاً مطلقاً، والتحديثي المتسرع الذي يرى في التراث عبئاً لا رصيداً. وظل المجدد الحقيقي في هذا الفضاء المضطرب يُلاحَق من قِبَل المعسكرين معاً، يُتَّهم هنا بالانحلال وهناك بالرجعية، في صورة تعكس المأزق الحقيقي الذي يعيشه المثقف المسلم.

التغريب الثقافي.. الوجه الآخر للمعادلة

إذا كان التنوير الإسلامي حلماً تشوبه تعقيدات داخلية، فإن التغريب الثقافي يمثل التحدي الخارجي الأكثر ضغطاً وأشد تأثيراً على هوية المثقف المسلم. والتغريب بخلاف التحديث الذي يعني الأخذ بأسباب التقدم العلمي والتقني والمؤسسي، يعني في مدلوله الأعمق استبطان النموذج الغربي بوصفه المرجعية الأخيرة والقيم العليا التي ينبغي أن تُقاس عليها كل الحضارات الأخرى. وهذا ما رصده المفكر المالي أمادو همباتي با حين قال بمرارة: إن المستعمِر لم يغادر حين سحب جيوشه، بل ترك جزءاً منه في عقول النخب التي تربَّت في مدارسه ومعاهده.
والإشكالية العميقة في التغريب أنه لا يأتي دائماً في ثوب العدوان الصريح، بل كثيراً ما يتسلل في هيئة المفاهيم المحايدة والقيم الكونية المزعومة. فحين تُقدَّم مفاهيم كالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية بوصفها حكراً على التجربة الغربية الحديثة، أو حين يُشترط قبولها باستئصال ما يُعدّ متعارضاً معها في الموروث الإسلامي من القيم والأحكام، فإن المثقف المسلم يجد نفسه أمام معادلة مُجحفة: إما أن يقبل النموذج الغربي جملةً وتفصيلاً، وإما أن يُوصَم بالرجعية والانغلاق. وهذه الثنائية المُغلَقة هي أخطر ما أفرزته منظومة التغريب في وعي النخبة المسلمة.
والتغريب الثقافي في صورته المعاصرة لم يعد مقتصراً على الأكاديميا والصفوة المثقفة، بل باتت أدواته الجديدة المتمثلة في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام العالمي والسينما وصناعة الترفيه تخترق كل البيوت وكل الأجيال. فحين يستيقظ الشاب المسلم على محتوى مُصنوع خصيصاً لتطبيع أنماط سلوكية وقيمية مغايرة لبيئته وعقيدته، فإن الصراع الهوياتي لا يبقى حبيس القاعات الجامعية والكتب الأكاديمية، بل ينزل إلى الغرف والمطابخ وتجمعات الأسرة، ويُصبح سؤال الهوية بالنسبة للمثقف المسلم سؤالاً حياتياً ملحاً قبل أن يكون نقاشاً فكرياً مجرداً.

المثقف المسلم اليوم.. في مواجهة السؤال الأصعب

في ضوء هذه المعطيات المتشعبة، يجد المثقف المسلم المعاصر نفسه في موقع بالغ الحساسية وشديد التعقيد. فهو لا يستطيع أن يُعيد إنتاج خطاب العزلة والانكفاء الذي أثبتت التجارب المريرة فشله وعجزه عن مواجهة تحديات العصر، كما أنه لا يملك أن يُسلِّم بمشروع التغريب ويذوب في النموذج الغربي الذي لا يعكس بالضرورة تطلعاته وقيمه وخصوصيته الحضارية. والسبيل الوحيد المتاح أمامه هو ذلك الطريق الوعر الشاق الذي يقتضي إعادة بناء هوية معرفية ناضجة ومتجذرة.
وهذه الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً من المثقفين المسلمين: مركب الدونية أمام الإنجاز الغربي، ومركب الوهم أمام صورة مُثالية للتاريخ الإسلامي لم تعكس أبداً الواقع على تعقيداته. فالنظر إلى الحضارة الغربية بعيون نقدية موضوعية تعترف بإنجازاتها الحقيقية دون أن تُقدِّسها، وكذلك النظر إلى التراث الإسلامي بعيون تُنصفه دون أن تُزوِّر فيه، هما شرطان لازمان لبناء ذلك الموقف الثقافي الرصين والمستقل.
والمثقف المسلم الذي يُحسن الوقوف في هذا الموقف الصعب ليس ذلك الذي يُقسِّم الكون إلى أسود وأبيض، ولا ذلك الذي يجعل من التوفيق غايةً في ذاتها فيُميِّع الخصوصية ويُفرِّغ الهوية. إنه المثقف الذي يُدرك أن الحضارة الإنسانية كلٌّ متشابك وأن الفكر الإسلامي أسهم في بنائها تاريخياً وأن له ما يُسهم به في حاضرها ومستقبلها، لكنه يُدرك في الوقت ذاته أن هذا الإسهام لن يتحقق بالاستسلام ولا بالعزلة، بل بامتلاك أدوات العصر مع الاحتفاظ بروح الحضارة والقيم

المستمدة من الوحي والتجربة الإنسانية المتراكمة.

وقد بدأت تتشكل في العقدين الأخيرين بوادر خطاب ثقافي إسلامي جديد يختلف في نبرته ومنهجه عما سبقه. فثمة جيل من المفكرين والأكاديميين المسلمين في الغرب وفي عالمهم العربي والإسلامي باتوا يتحدثون بلغة الند للند، يُشاركون في المحافل الدولية وينشرون في الدوريات الأكاديمية المرموقة ويُقدِّمون رؤيتهم الحضارية من موقع الواثق من نفسه لا المُعتذِر عن هويته. وهذا الجيل يُمثِّل ربما البشارة الأكثر موثوقيةً بأن المثقف المسلم يقترب شيئاً فشيئاً من إيجاد موقعه الصحيح في خريطة الفكر الإنساني المعاصر، موقع المشارك الفاعل لا المُقلِّد الحذر، والناقد الواعي لا المأخوذ بالبهرج الحضاري المُبهر.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك