أمة تسأل عن حكم الله..

خاصية لا يشاركها فيها أحد

في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة أخرى على وجه الأرض. ليس فرادتها في كثرة عددها ولا في امتداد رقعتها الجغرافية...
مقاصد إصلاح العالم..

أمة تسأل عن حكم الله..

خاصية لا يشاركها فيها أحد

في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة أخرى على وجه الأرض. ليس فرادتها في كثرة عددها ولا في امتداد رقعتها الجغرافية، ولا في عراقة حضارتها وإن كانت كل هذه سمات حاضرة. فرادتها الحقيقية تكمن في شيء أعمق من ذلك كله، في أنها الأمة الوحيدة في العالم التي تبحث عن حكم الله في وقائعها، وتسأل عن مراد الخالق في تفاصيل حياتها، من أدق خلجات القلب إلى أعظم قرارات الدول.
هذه الخاصية هي الهوية في جوهرها، والحضارة في أساسها، والتميز في أصله، وفهم هذه الخاصية وتأملها هو بداية الطريق نحو استيعاب ما تعنيه الشريعة الإسلامية ومقاصدها في حياة الإنسان.

أمة تسأل عن الحلال والحرام في كل معاملة

إذا نظرت في سائر الأمم والحضارات المعاصرة، وجدت أنها تتساءل في معاملاتها عن سؤال واحد: هل هذا قانوني أم غير قانوني؟ هل ينتهك هذا حقاً مدنياً أم لا؟ هل هو مربح أم خاسر؟ أما الأمة الإسلامية فإنها تُضيف إلى كل هذه الأسئلة سؤالاً آخر هو الأصل والمنطلق: هل هذا حلال أم حرام؟ هل يرضاه الله أم يسخطه؟
وهذا السؤال ليس ترفاً دينياً يُمارسه بعض المتعبدين في أوقات الفراغ، بل هو السؤال الحاكم الذي يسري في شرايين الحياة الاقتصادية للأمة من أولها إلى آخرها. يسأله التاجر حين يعقد صفقته، والموظف حين يتقاضى راتبه، والزوجان حين يكتبان عقد زواجهما، والوارث حين يتسلّم نصيبه من التركة، والدولة حين تفرض ضريبتها وتُبرم معاهداتها.
والفقه الإسلامي بجميع مدارسه وتشعباته وأبوابه المتنوعة ما هو في جوهره إلا استجابة منهجية لهذا السؤال الأصيل. فحين فتح العلماء أبواب البيوع والإجارات والشركات والربا والغرر، لم يكونوا يُمارسون ترفا فكرياعلم أصول الفقه، بل كانوا يُجيبون على سؤال أمة تريد أن تعيش في الدنيا دون أن تُفسد آخرتها، تريد أن تكسب المال ولا تكسب السخط، تريد أن تبني ثروتها على

أرض طاهرة لا على رمال المحرمات.

وهذا بالضبط ما يعنيه علماء مقاصد الشريعة حين يتحدثون عن حفظ المال بوصفه أحد الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لرعايتها وصونها. فالمقصد من تحريم الربا والغش والاحتكار والأكل بالباطل ليس تضييق الحياة الاقتصادية، بل تطهيرها وتوجيهها نحو العدل الذي يحفظ للإنسان كرامته في الكسب كما يحفظ له كرامته في سائر شؤونه.

أمة تسأل عن المقبول والمردود في العبادات

وتبلغ هذه الخاصية ذروتها الأكثر عمقاً حين يتعلق الأمر بالعبادات. فالأمة الإسلامية لا تكتفي بأن تُؤدّي شعائرها وطقوسها وفق ما تراه مناسباً أو ما استحسنته الأذواق وأقرّته العادات. بل إنها تسأل في كل عبادة تُؤديها: هل هذا مقبول عند الله أم مردود؟ هل يُثاب صاحبه أم يُحرم من الأجر وربما يُعاقب على الابتداع؟
وهذا السؤال هو الذي أنتج علم أصول الفقه بمباحثه في النسخ والبيان والتخصيص، وأنتج علم الحديث بمنهجيته الدقيقة في التوثيق والتعديل والتجريح، وأنتج فقه العبادات بأبوابه في الصحة والفساد والبطلان والكراهة والاستحباب. كل هذا البناء المعرفي الشاهق ما هو إلا تفصيل في الإجابة عن سؤال واحد: كيف نتعبد لله على النحو الذي يرضاه لا على النحو الذي يروق لنا؟
وهنا يتجلى معنى مقصد الشريعة في حفظ الدين بصورته الأعمق. فحفظ الدين لا يعني فقط الذودَ عنه أمام الأعداء الخارجيين، بل يعني قبل ذلك وبعده صون العبادة من الداخل، وحراسة الصلة بالله من أن تنزلق نحو الهوى المُتعبَّد به بدلاً من الله المُتعبَّد له. وتلك مسؤولية لا تحملها أمة من الأمم سواها.

أمة تسأل عن الصحيح والفاسد في العقائد

غير أن الأمر لا يقف عند حدود الأفعال الظاهرة من معاملات وعبادات. يمتد ليشمل ما هو أعمق وأخطر، وهو العقائد التي تقوم عليها تلك الأفعال وتستمد منها معناها ووزنها عند الله. والأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تسأل عن الصحيح والفاسد في العقائد بوصفها مسألة لها ضوابطها العلمية ومعاييرها الموضوعية المستقاة من الوحي لا من مجرد المشاعر والموروثات.
فحين تُقرر الأمة الإسلامية أن الله واحد لا شريك له، ليس هذا تعبيراً عن ذوق روحاني أو ميل نفسي، بل هو حكم عقدي يقوم على دليل وينفي ما سواه ويُحدد ما يترتب على مخالفته من فساد في التصور ينعكس حتماً على فساد في السلوك. وحين يسأل علماء الكلام وعلماء العقيدة عن أسماء الله وصفاته وعن مسائل القضاء والقدر والإيمان والكفر، فإنهم لا يُمارسون ترفاً فلسفياً مُقتبساً من اليونان، بل يُحددون الإطار العقلي والروحي الذي ينبغي أن تعمل فيه الحياة الإسلامية كلها.
ولعل أوضح ما يُفرّق بين منهج الأمة الإسلامية في العقيدة وبين سائر المناهج الدينية في العالم أن الإسلام لم يقبل يوماً معادلة “الدين لله والعقيدة للفرد”. فالعقيدة في الإسلام ليست شأناً خاصاً يُحسمه كل فرد وفق ميوله ومزاجه، بل هي حقيقة موضوعية لها معيار ثابت يُقاس بالوحي، وما خالفه كان فاسداً مهما راق لصاحبه ومهما أحسّ به من طمأنينة نفسية زائفة.
وهذا الموقف الجريء من العقيدة هو ما يُفسّر وجود علم أصول الدين وعلم الملل والنحل وعلم الرد على الشبهات في الموروث الإسلامي، وهو ما يُفسّر حرص الأمة عبر تاريخها على أن تكون عقيدتها محروسة من الداخل بالعلم لا مجرد مُصانة من الخارج بالسلطة.

الأمة التي لا تفصل بين الحياة والمعنى

وفي التأمل في هذه الخاصيات الثلاث مجتمعةً، يتكشّف لنا شيء بالغ الأهمية، وهو أن الأمة الإسلامية لا تفصل في نظرتها للوجود بين الحياة والمعنى، بين الفعل والقيمة، بين الزمن الدنيوي والحضور الإلهي الدائم. فحين تسأل عن حكم الله في المعاملة التجارية، هي لا تُدخل الدين على الاقتصاد إدخالاً قسرياً، بل هي تُقرّ بحقيقة أن كل فعل إنساني حادث في عالم لم يُخلق عبثاً ولم يُترك سُدى. وحين تسأل عن المقبول في عبادتها، هي تُقرّ بأن الله أعلم بما يُقرّبها منه مما تشتهيه هي. وحين تسأل عن الصحيح في عقيدتها، هي تُقرّ بأن للحقيقة معياراً مستقلاً عن أهواء البشر.
وهذه الثلاثة مجتمعةً هي ما تعبّر عنه مقاصد الشريعة الإسلامية في أجلى صورها. فمقاصد الشريعة لم تُوجد لتُقيّد الحياة، بل لترفعها من مستوى الغريزة والمصلحة الآنية إلى مستوى الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها. وما حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل إلا خريطة لحياة إنسانية كريمة تُؤدَّى فيها الأمانة وتُقام فيها العدالة ويُحقق فيها الإنسان وظيفته الأولى في هذا الوجود.
وتبقى هذه الأمة، بكل ثقلها الحضاري وعمق سؤالها الديني، شاهدةً على أن الحياة الحقيقية ليست مجرد تراكم للخبرات والمتع والمصالح، بل هي مسيرة تُحرّكها معرفة الحق والتزام الهدى والسير نحو وجه من لا غنى عن رضاه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
من الكلي إلى الجزئي.. كيف أعاد فقه المقاصد صياغة العلاقة بين النص والحياة؟
ظل الفقه الإسلامي عبر قرونه الطويلة يتحرك بين قطبين لا غنى لأحدهما عن الآخر، قطب الجزئيات التفصيلية التي...
المزيد »
المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.. قاعدة تحفظ الحقوق
تحتل القواعد الفقهية مكانة مهمة في تنظيم المعاملات المالية والتجارية، إذ تقدم ضوابط تساعد على فهم العقود...
المزيد »
التأمين والتمويل المعاصر..
أحدث التطور الاقتصادي والمالي في العصر الحديث صورا متعددة من المعاملات التي لم تكن معروفة بهذه التفاصيل...
المزيد »
قراءة القرآن للحائض..
تعد مسألة قراءة القرآن الكريم للمرأة أثناء فترة الحيض من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء، نظرا...
المزيد »
بيع التقسيط بسعر أعلى..
يعد بيع التقسيط من المعاملات المالية المنتشرة في حياة الناس، خاصة عند شراء السيارات والأجهزة المنزلية...
المزيد »
باب يدي كولة.. من التحصينات البيزنطية إلى الاستخدام العثماني
عند الطرف الجنوبي من أسوار إسطنبول التاريخية، حيث تقترب التحصينات البرية من مياه بحر مرمرة، يقف باب «يدي...
المزيد »
فتح أنطاكية.. كيف حطم الظاهر بيبرس أقوى معاقل الصليبيين
يعد فتح أنطاكية عام 1268م واحدا من أبرز الانتصارات العسكرية التي حققها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس...
المزيد »
حوار هند بنت عتبة مع الرسول بعد فتح مكة يكشف عظمة العفو النبوي
تجسد سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة نموذجا بارزا للعفو عند المقدرة، فقد تعامل مع كثير...
المزيد »
المقداد بن عمرو..
تضم سيرة الصحابة رضوان الله عليهم نماذج خالدة في التضحية والثبات، وتبرز من بينهم شخصيات جعلت نصرة الإسلام...
المزيد »
عمر بن عبد العزيز وموعظة التمر التي هزت قلب مسلمة بن عبد الملك
تكشف المواقف القصيرة في حياة الصالحين عن معان عميقة قد تعجز الخطب الطويلة عن إيصالها، وتبقى بعض الكلمات...
المزيد »
سنة عيادة المريض.. جبر الخواطر وإحياء معاني الرحمة
تعد عيادة المريض من السنن النبوية التي تجمع بين الأجر الديني والأثر الإنساني، فهي ليست مجرد زيارة عابرة...
المزيد »
«درهم وقاية خير من قنطار علاج»..
ويعبر هذا المثل عن قيمة الاستعداد المبكر، واتخاذ الإجراءات الاحترازية، وعدم انتظار ظهور الخطر حتى نبدأ...
المزيد »
رفق النبي ﷺ..
لم يكن الرفق في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجرد صفة أخلاقية تزين التعامل مع الآخرين، بل كان منهجا...
المزيد »
الذكر عقب الصلوات..
يحرص كثير من المسلمين على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، لكن بعضهم يغادر المسجد عقب التسليم مباشرة،...
المزيد »
الإسناد.. خصيصة الأمة الإسلامية في نقل الأخبار وحفظ التراث
يعد الإسناد من أبرز المناهج العلمية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية في توثيق الأخبار ونقل المعارف، إذ...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك