![]()
القراءات الشاذة..
بين الشُّذوذ المصطلحي والقيمة العلمية الراسخة
القراءات الشاذة..
بين الشُّذوذ المصطلحي والقيمة العلمية الراسخة
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة “القراءة الشاذة”، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا قيمة لها أو أنها محل طعن واتهام، في حين أن هذا المصطلح في لغة علماء القرآن والقراءات له معنى محدد ودقيق يختلف كل الاختلاف عن الشذوذ بمعناه الذميم المتعارف عليه. وفهم هذا التمييز هو المدخل الصحيح لفهم علم القراءات بعمق وإنصاف، لا سيما بعد أن تقررت في ما سبق أركان القراءة الصحيحة الثلاثة التي تُقاس عليها كل رواية وكل وجه من وجوه الأداء.
الشاذ لغةً واصطلاحاً.. فارق يُحسم اللبس
في أصل اللغة، الشاذ هو المنفرد عن الجمهور والنادر عن السواد الأعظم، ومنه قولهم شذّ فلان عن القوم أي خرج عن جماعتهم وابتعد عن سوادهم. أما في الاصطلاح العلمي عند علماء القراءات فالقراءة الشاذة هي كل قراءة اختل فيها ركن واحد على الأقل من الأركان الثلاثة التي يقوم عليها قبول القراءة وصحتها، وهي: التواتر، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة وجه من وجوه اللغة العربية. فمتى سلمت القراءة من هذه الأركان الثلاثة أُدرجت في دائرة القراءات المقبولة المحتجّ بها، ومتى أخلّت بواحد منها خرجت من تلك الدائرة وسُمّيت شاذة، وليس في هذه التسمية حكم على صاحبها بالخطأ أو الكذب، وإنما هو وصف تقني يحدد درجة الرواية في سلّم القبول العلمي.
ويذهب جمهور علماء القراءات إلى أن التواتر هو الركن الأعظم وأشد الأركان الثلاثة أثراً في تقرير صحة القراءة، فإذا فقدت الرواية هذا الشرط الجوهري فقدت صفة القرآنية التي تُبيح تلاوتها في الصلاة وتُوجب الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية على أنها نص إلهي قطعي. وهذا المعيار الصارم لم يكن تعسفاً من العلماء بل كان صوناً للقرآن الكريم من أن يدخل فيه ما ليس منه، وحراسةً للدين من التوسع في الادعاء بالنص الديني دون ضابط موثوق.
رواة القراءات الشاذة.. أعلام لا مجاهيل
ومما يدل على أن وصف الشذوذ لا يستلزم ذم صاحبه أن كثيراً من رواة هذه القراءات كانوا من كبار علماء الأمة وأئمتها المشهود لهم بالجلالة والحفظ والإتقان. ولهذا ينقسم الرواة في هذا الباب إلى قسمين لا ينبغي الخلط بينهما.
القسم الأول رواة القراءات الشاذة بصورة عامة، وهم طائفة كبيرة لا تنحصر تمتد من الصحابة الكرام إلى التابعين ومن تلاهم. ومن الصحابة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي كان له مصحف يُفسّر فيه بعض الألفاظ القرآنية بما يُظهر معانيها ويُجلّي مقاصدها، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه. ومن التابعين مسروق بن الأجدع وهو من كبار علماء الكوفة وثقاتها، ومجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس والإمام الجليل في التفسير، ومحمد بن سيرين الفقيه الزاهد المعروف، وقتادة بن دعامة أحد أبرز أئمة التابعين في البصرة حفظاً وفقهاً، وغيرهم ممن يطول تعدادهم. وقد رُوي عن بعض القراء العشرة المشهورين أنفسهم شيء من القراءات الشاذة، مما يدل على أن رواية هذه القراءات كانت في سياق التعليم والبيان لا الاحتجاج بها قرآناً.
أما القسم الثاني فهم أشهر من اشتُهر بالقراءات الشاذة وجمعهم العلماء في مصنفاتهم على وجه خاص، ومنهم ابن محيصن واسمه محمد بن عبد الرحمن المكي وهو إمام مقرئ من أهل مكة المكرمة أخذ القراءة عن جماعة من كبار التابعين. ويحيى اليزيدي وهو أبو محمد يحيى بن المبارك البصري الذي جمع بين إمامتين نادراً ما تجتمعان: إمامة النحو وإمامة القراءة، وقد اضطلع بتأديب أبناء الخلفاء العباسيين فكان محل ثقتهم وتبجيلهم. والحسن البصري الإمام الجليل الذي لا يحتاج إلى تعريف إذ بلغ من السمو العلمي والمنزلة الدينية ما جعله إمام أهل زمانه علماً وورعاً وزهداً. والأعمش سليمان بن مهران الأسدي الكوفي صاحب الحفظ الأسطوري والمعروف بين المحدثين والقراء معاً بإتقانه وضبطه. وقد أحصى هؤلاء الأربعة شهاب الدين الدمياطي في كتابه الموسوعي “إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر” الذي ضم القراءات السبع المتواترة ثم العشر ثم هذه الأربع الشاذة في دراسة مقارنة شاملة.
القيمة العلمية.. قرآن لا يُتلى وعلم لا يُلقى
ولعل أهم ما يجب أن يُقال في هذا المقام هو ذلك الفارق الدقيق الذي يُحيط به علماء القرآن ولا يلتفت إليه عامة الناس: القراءة الشاذة ليست قرآناً يُتعبد بتلاوته في الصلاة ولا تثبت بها الأحكام القطعية التي يشترط فيها النص القرآني المتواتر، لكنها في الوقت ذاته ليست نسياً منسياً يُطرح في سلة المهملات. فقد جرى الإجماع عند كثير من الفقهاء والأصوليين على الاستفادة من هذه القراءات في ثلاثة مجالات رئيسية لا تُستغنى عنها.
أولها التفسير، إذ إن القراءة الشاذة أحياناً تُجلّي معنى خفياً في الآية أو تُحدد وجهاً من وجوه التأويل كأنها شرح موثوق لأحد كبار التابعين يتسق مع سياق النص دون أن يرقى إلى مرتبة النص ذاته. وثانيها استنباط الأحكام الفقهية، حيث يستأنس بها كثير من الفقهاء دليلاً مؤيداً لا دليلاً مستقلاً. وثالثها توضيح المعاني اللغوية والدلالية، إذ إن هذه القراءات جاءت في الغالب عن أئمة متبحرين في لغة العرب، فاستعمالهم لوجه من وجوه القراءة يكشف عن سعة الدلالة اللغوية للنص القرآني ويُثري فهم القارئ لإعجازه البياني.
وبهذا يتبين أن علم القراءات الشاذة ليس هامشاً في علوم القرآن بل هو رافد مهم يُغذي علم التفسير وعلم اللغة وأصول الفقه في آن واحد، وأن العقل العلمي الرصين لا يتعامل مع الشاذ بالإهمال أو بالقبول المطلق، بل يضعه في مكانه الدقيق في منظومة العلم الشرعي محكوماً بضوابطه ومؤدياً وظيفته دون تجاوز لحدوده.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | القراءات الشاذة, اللغة العربية, علماء القرآن والقراءات, محمد بن سيرين



