مثل البعوضة في سورة البقرة انعكاس لأحوال النفس البشرية

ثمة حكمة بالغة في أن يبدأ الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه الكريم ببعوضة، ذلك المخلوق الهش الذي لا يكاد يُرى، والذي لم يُعرف عبر التاريخ إلا مُقلِقاً ومُزعجاً وسالباً للراحة...
مثل البعوضة في سورة البقرة انعكاس لأحوال النفس البشرية

مثل البعوضة في سورة البقرة انعكاس لأحوال النفس البشرية

ثمة حكمة بالغة في أن يبدأ الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه الكريم ببعوضة، ذلك المخلوق الهش الذي لا يكاد يُرى، والذي لم يُعرف عبر التاريخ إلا مُقلِقاً ومُزعجاً وسالباً للراحة، فحين يقول الحق تبارك وتعالى: “إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها”، فإنه لا يختار البعوضة عبثاً، بل يضعها في الصدارة حاملةً دلالات عميقة تمتد في نسيج السورة من مطلعها إلى ختامها. فما البعوضة في جوهرها إن لم تكن صورة مجسّدة للإقلاق وغياب الطمأنينة وفقدان السكينة الداخلية؟ وما الحسد إن لم يكن بعوضةً تسكن في الروح فتنهشها من الداخل دون أن تريحها ودون أن تُهنئ؟

البعوضة التي تضلّ وتهدي

قال تعالى: “يُضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً”، وفي هذه الآية التي تعقب ضرب المثل بالبعوضة مفتاح جوهري لقراءة السورة كلها. فالمثل الواحد طريقان: طريق يُفضي إلى الهداية حين تتواضع النفس وتُقرّ بالحق، وطريق يُفضي إلى الضلال حين تستكبر النفس وتأبى الاعتراف. والحسد هو الشعلة التي تُشعل هذا الانقسام؛ فالإنسان الراضي بما أُوتي لا يجد في مثل الله إلا درساً وعبرة، أما المحسود المستكبر فيرى فيه تعجيزاً وإهانة، فيكفر بالمثل لأنه يكفر بما وراءه من حق.
وإذا أردت أن تتبيّن هذا كله فاقرأ سورة البقرة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بعيون باحثة عن جذور الحسد في كل موقف وكل قصة. ستجد أن الكافر لا يكفر مجاناً، بل يكفر حسداً؛ وأن التحريف الذي مارسه أهل الكتاب في كتبهم لم يكن جهلاً بقدر ما كان غيرة من النبوة أن تحلّ في غيرهم، وأن القتل الذي وصفت به السورة بني إسرائيل وهم يقتلون أنبياءهم لم يكن إلا حين رأوا في النبي منافساً لسلطتهم. والسحر الذي رغبوا فيه بدل ما أُنزل على سليمان لم يكن إلا لأن الملك كان بيد غيرهم فأرادوا انتزاعه.
وكذلك مناقضة الذات التي يقع فيها الحاسد فيُقرّ شيئاً ثم يُنكره، ويعرف الحق ثم يجحده. هذه كلها ليست جرائم منفصلة، بل هي طبقات متراكمة لنفس واحدة أكلها الحسد من الداخل.

بنو إسرائيل وعقل الناظر إلى طعام الآخرين

لعل أكثر المشاهد تعبيراً عن هذه الحقيقة في السورة ذلك المشهد المدهش حين وصف الله بني إسرائيل في تيههم، وقد أنزل عليهم المنّ والسلوى، فلم يروا في هذه النعمة السماوية النادرة إلا مناسبة للتطلع إلى ما في أيدي غيرهم: “فادعُ لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها”. إنهم يجلسون على مائدة السماء لكنهم ينظرون بعيون الحسرة إلى بساتين الأرض. وفي هذه الصورة ما يكفي لرسم معالم النفس الحاسدة: نفس لا تستطيع أن تستمتع بما في يدها لأن عينها لا ترى إلا ما في يد غيرها، فيستحيل عليها الشكر وتُصبح النعمة في نظرها محنة.
وعلى الأثر ذاته يجري التنافس العقيم بين الفرق: “وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء”، وكلٌّ منهم يتلو كتابه وينزع الحق عن الآخر لا ليُثبت حقه بدليل، بل ليُثبته بنفي الآخر. فالحاسد لا يرفع نفسه، بل يسقط غيره، ولا يبني ذاته، بل يهدم سواه، ظاناً أن في سقوط الآخرين ارتفاعاً له، وما ذلك إلا وهم يُغذيه الحسد ويُديمه.

إبليس والحسد الأول الذي أسّس الخلق

غير أن السورة لا تكتفي بالمثل البشري في الحسد، بل تعود به إلى لحظة الخلق الأولى، إلى اللحظة التي تشكّل فيها تاريخ الإنسان وتحددت طبيعة الصراع الكوني الذي يعيشه. حين أُمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر، لم يكن استكباره ضرباً من العلم أو الحكمة، بل كان حسداً خالصاً؛ حسد المخلوق الأقدم على المخلوق الجديد، وغيرة المُصطفى السابق على من جاء ليحتل مكانته، ويصف الله هذا الموقف في السورة بما يجعله نموذجاً أصيلاً لكل ما سيأتي بعده من مواقف بني إسرائيل وغيرهم.
والمفارقة المؤلمة التي تطرحها السورة هي أن إبليس لم يستفد من رفضه شيئاً. هل استراح إبليس؟ كلا، لم يستقر ولم يهنأ ولم ينعم بما كان له قبل عصيانه. بل صار كائناً أبدي الشقاء مسكوناً بالتبرم والسعي الدائم إلى إفساد ما لا يستطيع امتلاكه. وفي هذا الرسم القرآني الدقيق جواب لكل من يظن أن الحسد يُريح أو أن إسقاط الآخر يُصفي القلب: الحاسد هو أول ضحاياه وآخرها.

الرضا والاعتراف بالفضل.. الخروج من دوامة البعوضة

تسير السورة في طريق متأمل وعميق نحو الحل، لا تكتفي برسم الداء بل تُفصّل الدواء في متنها وتجمله في ختامها. فالهدى الذي تصفه السورة في بدايتها بوصفه نوراً للمتقين لا يتحقق بمجرد الاعتقاد الذهني، بل بتهذيب النفس من آفة الحسد التي تُعمي البصيرة وتُشوّه الرؤية. وتفصيل هذا الهدى هو ما تتولاه السورة في آياتها الطويلة المتعاقبة التي تُعالج مواقف بني إسرائيل ومواقف المنافقين والكافرين واحدة تلو الأخرى، مُبيّنةً كيف أن جذر كل انحراف كان حسداً وكيف أن طريق الصواب يبدأ باستئصاله.
ثم يجيء الختام إجمالاً بليغاً يجمع شتات السورة كلها في آيتين خاتمتين. الأولى هي الاعتراف بالفضل لأهل الفضل والإقرار بأن الحق لا يختص بأمة دون أمة ولا بنبي دون نبي: “آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نُفرّق بين أحد من رسله”. وفي هذه الجملة الأخيرة ضربة موجعة للحسد في مقتله؛ فالحاسد يُريد أن يكون الفضل حكراً عليه، والإيمان الحقيقي يُقرّ بالفضل حيث وقع دون غيرة ولا نزاع. والثانية هي الإقرار للمتصرف الحقيقي في الملكوت بكامل السلطة والربوبية: “سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير”. وفي هذا القبول الكامل والتسليم التام إعلان حرب على الحسد في صميمه، لأن الحاسد في آخر تحليل لا يحسد البشر بقدر ما يعترض على توزيع الله للنعم وتدبيره للأقدار، فحين تقول: “سمعنا وأطعنا” فأنت تُغلق الباب على البعوضة وتُريح نفسك من إزعازها إلى الأبد.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك