أورنك زيب..

سلطان جعل الهند تاجاً على رأس المسلمين

كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد في جوجارات بالهند عام تسعة عشر وستمائة وألف من الميلاد...
أورنك زيب..

أورنك زيب..

سلطان جعل الهند تاجاً على رأس المسلمين

كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب. وُلد في غوجارات بالهند عام تسعة عشر وستمئة وألف من ميلاد المسيح لأبٍ كان يُخلّد حبه في الرخام، إذ كان والده السلطان شاه جهان يُشيّد في تلك الحقبة تحفته الخالدة تاج محل إجلالاً لزوجته ممتاز محل والدة أورنك، التي رحلت فأحزنت ملكاً وأيقظت في الابن نزوعاً إلى زهد لم يُفارقه حتى آخر يوم في حياته. وحين أضعف المرض شاه جهان وفُتحت أبواب الصراع على العرش بين الأبناء، خاض أورنك معاركه وتولّى السلطة وهو في الأربعين من عمره، ليبدأ عهد حكم لم تشهد الهند مثله في امتداده وتعقيده وعظمته.

سلطان أذلّ الجبابرة وأرغم الممالك

حين استوى أورنك زيب على عرش المغول، كانت الهند شبه القارة تحمل في جوفها تنوعاً هائلاً من الممالك والسلطنات والإمارات التي لم تخضع لسلطان واحد أو تنقاد لراية بعينها. فأخذ يُوسّع ما ورثه في صبر المحارب الذي لا يعرف التوقف؛ خضعت له شبه القارة الهندية في أقصى اتساعها، وأسر أشهر ملوكها، وجُبيت إليه الأموال من أقاصي الممالك، حتى بلغت إمبراطوريته ما يقارب مئة وخمسين مليون نسمة، وإذا كانت الأرقام وحدها لا تُعبّر عن هيبة الملك، فإن قيادته الشخصية لأحد عشر معركة من أصل أكثر من ثلاثين خاضها المسلمون في عهده تدل على أنه لم يكن يدير الحرب من قصوره، بل كان يعيش في خيمته العسكرية في جنوب الهند سنوات متواصلة.
وكان من أبرز ما ميّز حكمه جرأته في فرض الجزية على غير المسلمين، بعد أن أبطلها أسلافه تاركين الميدان لسياسة التسامح التوفيقية التي أرسى دعائمها أكبر. وكان في هذا القرار جرأة لم يجرؤ عليها من قبله كثيرون، نظراً لكثرة غير المسلمين وثقلهم الديموغرافي والسياسي في ربوع الإمبراطورية. وإلى جانب ذلك أبطل ثمانين نوعاً من الضرائب التي كانت تُثقل كاهل الرعية، وأقام المساجد والمدارس والبيمارستانات — وهي المستشفيات في مصطلح ذلك العصر — وأصلح الطرق وبنى الحدائق، في نهج إدارة شاملة تمتد من الإنجازات الكبرى إلى التفاصيل المعيشية اليومية.

الزاهد على العرش.. ملك يخيط طاقيته بيده

لعل أغرب ما في سيرة أورنك زيب أن صورة الملك الجبار ذي السلطان الواسع تتعايش في شخصيته مع صورة الرجل الزاهد الورع الذي لا يأبه بالدنيا وزخرفها؛ وهو تعايش لا يُحل بالتأويل ولا يُفسّر بالمجاز، بل هو حقيقة يشهد عليها سجل حياته اليومية. فقد أتمّ حفظ القرآن الكريم وهو جالس على كرسي الحكم، وكان في رمضان يُفطر على أرغفة من الشعير من كسب يده، بعد أن يكون قد أمضى نهاره يكتب المصاحف بيده ويبيع ما ينسخه ليعيش من ثمنه. وكان يخيط الطواقي بيده كذلك، محتفظاً بهذه الصنعة اليدوية مبدأً راسخاً لا يتزعزع: ألا يأكل من خزينة الدولة ما يستطيع أن يكسبه بعرق جبينه.
وحين عجز عن أداء فريضة الحج لاستغراق حكمه في الحروب المتواصلة، لم يجعل من ذلك عذراً يُسكّن به ضميره، بل كتب مصحفين بخط يده وأرسل أحدهما إلى مكة المكرمة والآخر إلى المدينة المنورة، كأنه أرسل طرفاً من روحه إلى البقاع التي لم تُتح له زيارتها، وكان يصوم الاثنين والخميس ويُصلي في جماعة ويؤم المسلمين في صلاة التراويح ويعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقد نسب إليه بعض المؤرخين ميله إلى التصوف وإن ظل في سلوكه أقرب إلى فقيه الشريعة منه إلى شيخ الطريقة.
وعلى صعيد بنيان الدولة الفكري والفقهي، فقد أصدر مجموعة الفتاوى العالمكيرية، تلك الموسوعة الفقهية الحنفية الضخمة التي جمعها العلماء بأمره وإشرافه، وهي لا تزال إلى اليوم مرجعاً يُدرَّس في كبريات مدارس الفقه الإسلامي في شبه القارة الهندية وسواها. وألّف كذلك كتاباً شرح فيه أربعين حديثاً نبوياً شريفاً، تاركاً بذلك أثراً علمياً يُضاف إلى موروثه السياسي والعسكري.

بلاط بلا خمر ولا مغنين.. إصلاح يبدأ من القصر

لم يكتفِ أورنك زيب بإصلاح ما خارج قصره وهو يُبقي داخله على ما اعتاده أسلافه من رخاوة؛ بل بدأ إصلاحه من حيث تبدأ الأشياء الحقيقية، من الذات والمحيط المباشر. فأبطل الأعياد الموروثة من الثقافات غير الإسلامية كعيد النيروز الفارسي الذي كان المغول قد أدخلوه في تقاليد بلاطهم عبر أجيال من التأثر بالحضارة الفارسية. ومنع الانحناء له عند التحية، رافضاً هذا الطقس الذي رآه مساساً بالكرامة الإنسانية المقرّرة في الإسلام. وصرف المغنين والموسيقيين عن بلاطه، وهو قرار كان له دلالة رمزية ضخمة في حضارة بلاط المغول التي كانت تحتفي بالموسيقى والغناء احتفاءً عريقاً، ومنع دخول الخمر إلى بلاده، فكان بلاطه مغايراً في هيئته وروحه لكل ما عرفه الناس من بلاط السلاطين.
وكان في كل ذلك يُدرك أن إصلاح الأمة لا يأتي بالخطب والمراسيم وحدها، بل يحتاج إلى نموذج حيّ يراه الناس أمامهم. وقد دخل في عهده الملايين من طبقة المنبوذين في الهند إلى الإسلام، هرباً من قسوة نظام الطبقات الذي سحقهم قروناً، ووجدوا في هذا الدين الوافد ما لم يجدوه في موروثهم الديني من كرامة ومساواة. كما وقف بقوة أمام المد الصفوي الشيعي الذي كان يسعى إلى التمدد شرقاً، حافظاً على هوية الإمبراطورية المغولية في انتمائها إلى أهل السنة.
وحين وافته المنية عام سبعة وسبعمئة وألف ميلادي، بعد حكم دام اثنين وخمسين عاماً، أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر المسلمين من المكان الذي يموت فيه، وألا يتجاوز ثمن كفنه خمس روبيات، فدُفن في خلوّ ومهابة في أحمد نجر بالدكن، بعيداً عن ضخامة مقابر الأباطرة التي كان بإمكانه أن يختار واحدة منها. وما إن رحل حتى أخذت الإمبراطورية التي أمضى عمره يُوسّعها تتداعى في صمت، حتى سقط آخر سلاطين المغول بهادر شاه عام سبعة وخمسين وثمانمئة وألف على يد الإنجليز، ولم يكن بعده شيء يستحق أن يُسمى دولةً للإسلام في شبه القارة الهندية.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك