![]()
الدعاء والقضاء والقدر..
بين التسليم لله والأخذ بالأسباب
الدعاء والقضاء والقدر..
بين التسليم لله والأخذ بالأسباب
الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، فهو صلة مباشرة بين العبد وربه، ومظهر من مظاهر الافتقار إليه سبحانه، وقد حث الإسلام على الإكثار من الدعاء في جميع الأحوال، سواء في أوقات الشدة أو الرخاء، لأن الدعاء يعبر عن حقيقة العبودية لله تعالى والاعتراف بقدرته المطلقة على جلب الخير ودفع الضر. قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بأنه العبادة، لما يتضمنه من إخلاص وتوكل ورجاء.
ومن الخطأ أن يظن بعض الناس أن الدعاء لا فائدة منه إذا كانت الأمور قد قدرت وانتهى الأمر، لأن هذا الفهم لا يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية.
العلاقة بين الدعاء والقضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ويعني الاعتقاد بأن الله تعالى قد علم كل شيء وكتبه وشاءه وخلقه، ومع ذلك فإن الله سبحانه جعل للأمور أسبابا تؤدي إلى نتائجها، ومن أعظم هذه الأسباب الدعاء.
فكما أن المسلم يتناول الدواء لعلاج المرض مع إيمانه بأن الشفاء بيد الله، فإنه يدعو الله طلبا للخير ودفعا للضر مع إيمانه بأن كل شيء يجري وفق تقدير الله تعالى، ولذلك لا يوجد تعارض بين الدعاء والإيمان بالقدر، بل الدعاء نفسه جزء من القدر الذي كتبه الله عز وجل.
وقد أوضح العلماء أن الله تعالى قد يقدر أمرا معلقا على سبب، فإذا تحقق السبب وقع المقدور، ومن هذه الأسباب الدعاء، فقد يكتب الله للعبد خيرا أو يدفع عنه بلاء بسبب دعائه وإلحاحه في السؤال.
الدعاء سبب لدفع البلاء
من الفوائد العظيمة للدعاء أنه سبب في دفع أنواع كثيرة من البلاء والمحن، وقد ورد في الحديث الشريف أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، أي أن الله تعالى قد يجعل الدعاء سببا في رفع المصائب قبل وقوعها أو تخفيف آثارها بعد نزولها.
ولهذا كان الأنبياء والصالحون يكثرون من الدعاء في الأزمات والشدائد، فعندما أحاطت الأخطار بالأنبياء لجأوا إلى الله تعالى بالدعاء، فكان ذلك سببا في تفريج الكرب وكشف الغموم، وهذا يعلم المسلم ألا يستسلم للظروف الصعبة، بل يجمع بين الصبر والدعاء وحسن التوكل على الله.
الدعاء يحقق معنى التوكل الصحيح
التوكل الحقيقي لا يعني ترك الأسباب وانتظار النتائج، بل يعني الاعتماد على الله مع بذل الجهد المشروع، والدعاء من أعظم الأسباب التي شرعها الله لعباده.
فالمؤمن عندما يدعو ربه يكون قد جمع بين أمرين عظيمين: الثقة بقدرة الله تعالى، والعمل بالسبب الذي أمر به الشرع. ولذلك فإن ترك الدعاء بحجة أن كل شيء مقدر يشبه ترك العمل أو الدراسة أو العلاج بحجة أن الأرزاق والآجال مكتوبة، وهو فهم غير صحيح.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس دعاء مع أنه أعظم الخلق إيمانا بالقضاء والقدر، مما يدل على أن الإيمان بالقدر يزيد العبد إقبالا على الدعاء ولا يصرفه عنه.
ثمار الدعاء وآثاره الإيمانية
للدعاء آثار كثيرة على قلب المسلم ونفسه، فهو يبعث الطمأنينة والسكينة ويزرع الأمل في أحلك الظروف، كما أنه يقوي صلة العبد بربه ويجعله دائم الشعور بمعية الله ورعايته.
ومن ثمراته أيضا أنه يربي المسلم على الصبر وعدم اليأس، فإذا تأخرت الإجابة لم يفقد الأمل، لأنه يعلم أن الله تعالى يختار له ما هو أصلح وأن الإجابة قد تكون بإعطائه ما سأل، أو بدفع ضرر عنه، أو بادخار الأجر له في الآخرة.
كما أن كثرة الدعاء تجعل القلب أكثر تعلقًا بالله وأبعد عن الغرور والاعتماد على النفس، فيدرك العبد أن كل نعمة إنما هي من فضل الله ورحمته.
إن الدعاء والقضاء والقدر ليس بينهما تعارض، بل هما متكاملان في العقيدة الإسلامية، فالدعاء عبادة عظيمة وسبب من الأسباب التي جعلها الله لتحقيق الخير ودفع الشر، والمؤمن الصادق يجمع بين الإيمان بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، وبين الاجتهاد في الدعاء والأخذ بالأسباب المشروعة، وبذلك يعيش حياة مليئة بالرضا والتوكل والأمل، مستعينا بالله في جميع شؤونه، وموقنا بأن خزائن الخير كلها بيده سبحانه وتعالى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أركان الإيمان, الدعاء, الصبر, العقيدة الإسلامية, القضاء والقدر, دفع البلاء



