“أزِفَتِ الآزِفَةُ”… اقتراب لا مفرّ منه

كلمة "أزِفَت" مأخوذة من الجذر (أ-ز-ف) الذي يدل على القرب الشديد. يقال: أزِف الشيء أي دنا واقترب حتى صار على وشك الوقوع....
"أزِفَتِ الآزِفَةُ"... اقتراب لا مفرّ منه

“أزِفَتِ الآزِفَةُ”… اقتراب لا مفرّ منه

في هذه الآية المهيبة من كتاب الله، نقف أمام كلمتين تهزان الوجدان وتستنهضان الوعي: “أزِفَت” و**”الآزِفَة”**، لفظتان قصيرتان في حروفهما، عظيمتان في أثرهما، تُحدثان في القلب رجفة وتوقظان في النفس رهبة الموقف، إذ تتحدثان عن أعظم حدثٍ ينتظر البشرية: يوم القيامة.

المعنى اللغوي

كلمة “أزِفَت” مأخوذة من الجذر (أ-ز-ف) الذي يدل على القرب الشديد. يقال: أزِف الشيء أي دنا واقترب حتى صار على وشك الوقوع.
أما “الآزِفَة” فهي اسم فاعل من هذا الفعل، وتُطلق على القيامة، كما فسرها جمهور المفسرين، لأنها تقترب بخطواتٍ سريعةٍ رهيبة لا مردّ لها ولا مفرّ منها.

فالمعنى الإجمالي للآية:

“اقتربت القيامةُ اقترابًا أكيدًا لا شك فيه، وهي الساعة التي لا يستطيع أحد كشفها أو إدراك وقتها إلا الله وحده.”

اللمسات البلاغية في التعبير القرآني

التعبير بـ “أزفت الآزفة” في غاية الإيجاز والرهبة، فهو يكرّر الجذر ذاته مرتين (أزف) في جرسٍ متتابعٍ يضرب في السمع والقلب، ليولّد إحساسًا بالاقتراب العاجل والخطر الداهم.
وكأن الآية تقرع الأبواب وتدقّ القلوب دقًّا، تقول للغافل: “اقترب الموعد! فاستعد!”

ثم إن تقديم الفعل “أزفت” على الاسم “الآزفة” يفيد تحقيق الوقوع، لا مجرد الوعد به. فالله تعالى لم يقل: الآزفة أزفت، بل بدأ بالفعل ليجعل القرب واقعًا حاصلًا، كأن القيامة قد بدأت تُطلّ على العالم.

أما اختيار لفظ “الآزفة” بدل “القيامة”، ففيه تصوير بلاغي فريد؛ إذ تحمل الكلمة في ذاتها رهبة الصوت وسرعة الحدث، فهي توحي بقدومٍ مفاجئٍ مخيف، بخلاف لفظ “القيامة” الذي اعتاده الناس في سياق الحديث، فجاء هذا الاسم ليوقظ الأسماع ويجدد الخوف.

“ليس لها من دون الله كاشفة”

أي لا يعلم أحد متى تكون، ولا يستطيع مخلوق أن يرفع غطاءها أو يقدّم موعدها أو يؤخره.
وفي هذا ردٌّ على المشركين الذين كانوا يقولون للنبي ﷺ استهزاءً: متى هذه الساعة؟ فجاء الجواب الإلهي قاطعًا:

موعدها عند الله وحده، وكشفها ليس من شأن بشر، ولا من سلطان مخلوق.

وهذه الجملة أيضًا تحتمل معنى آخر أعمق: أن شدّتها وروعها لا يُكشَف عنها ولا يُخفَّف وطؤها إلا بإذن الله، فهو وحده من يملك النجاة يوم تدنو الساعة وتدكّ الجبال دكًّا.

تأمل إيماني

تجعلنا هذه الآية نرى القيامة كأنها تقترب أمام أعيننا، وتذكّرنا أن الزمن ليس ممتدًّا بلا نهاية، بل يسير نحو ميعاد محدّد لا يملك أحد تغييره.
إنها صرخة قرآنية تهزّ الغافلين وتبعث في القلب سؤالًا وجوديًا لا مفرّ منه:

إن كانت “الآزفة” قد أزِفَت… فهل نحن مستعدون لها؟

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
الحديث المدرج.. تداخل بين التفسير والرواية
إن حجم الجهد العلمي الذي بذله المحدثون في الكشف عن الإدراج وتمييزه لَيكشف عن وعي منهجي راقٍ بخطورة هذا...
المزيد »
سورة آل عمران ومكانتها العظيمة وأسباب تسميتها
سورة آل عمران من السور القرآنية الجليلة التي تجمع بين العقيدة والتشريع والتربية، وقد سميت بهذا الاسم...
المزيد »
«أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ»..
يكشف قوله تعالى: "أمن لا يهدي إلا أن يهدى" يكشف بوضوح عجز المعبودات الباطلة، ويبرز عظمة الله سبحانه باعتباره...
المزيد »
«وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»..
تمثل آية "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" قاعدة أخلاقية عظيمة في الإسلام، تدعو الإنسان إلى...
المزيد »
سبب نزول آية التفسح في المجالس وأثرها التربوي العظيم
إن آية التفسح في المجالس تمثل نموذجا رائعا للتربية الإسلامية التي تبني الإنسان الخلوق والمجتمع المتماسك،...
المزيد »
الحض على الإطعام.. منظومة قرآنية فريدة
يبقى القرآن الكريم سبّاقاً إلى ما لم تبلغه الفلسفات الاجتماعية ولا المواثيق الدولية، ذلك أنه لم يكتفِ...
المزيد »
الاحتباك في القرآن.. الحذف بلاغةٌ أعمق من الذكر
في النص القرآني تتجاوز البلاغة حدود الزينة اللفظية إلى بناءٍ معجز تتساند فيه الكلمات والحذوف والإشارات...
المزيد »
كيف واجه علمُ المصطلح الأخبارَ الزائفة قبل عصر التكنولوجيا؟
القواعد التي وضعها المحدثون قبل أكثر من ألف عام تصلح اليوم لأن تكون أساسًا أخلاقيًا وإعلاميًا في مواجهة...
المزيد »
خَفْضُ الجَنَاح.. برٌّ في أعلى مراتب الدين
آية من كتاب الله جمعت في خيطٍ واحد بين قمة الهرم العقدي وأسمى المبادئ الإنسانية، فإذا بتوحيد الله وبر...
المزيد »
القراءات الشاذة..
كثيراً ما يقع اللبس في أذهان المتلقين حين يسمعون عبارة "القراءة الشاذة"، فيتوهمون أنها قراءة مردودة لا...
المزيد »
مثل البعوضة في سورة البقرة انعكاس لأحوال النفس البشرية
ثمة حكمة بالغة في أن يبدأ الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه الكريم ببعوضة، ذلك المخلوق الهش الذي...
المزيد »
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك