![]()
يوم القَرّ.. سكن القلوب على عتبات الرحمة
محمد الشرشابي
يوم القَرّ.. سكن القلوب على عتبات الرحمة
يوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، اليوم الذي يعقب مباشرةً يوم النحر العظيم، ويحمل في طيّاته من الأسرار والفضائل ما يجعله واحداً من أجلّ الأيام في الميزان الشرعي. وقد أُخذ اسمه من القَرار والاستقرار، إذ يَقِرُّ فيه الحجاجُ بمنى بعد يوم النحر الحافل بمشاعره ومناسكه المتلاحقة، فيطمئنّون ويستريحون، ويواصلون رمي الجمرات في هدوء الروح وصفاء النية. وقد أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” بأنه سُمِّي بذلك لأن الناس يقرّون فيه بمنى ولا يتفرقون، فيكون جمعاً آخر في رحاب الله قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى الديار.
وهذا اليوم يوم حضور وجداني من نوع خاص؛ يوم يجلس فيه الحاج بين ذكر وشكر، ويستوعب فيه ما أفاضت عليه السماء من نِعَم، فكأن الله سبحانه أراد لعباده بعد جهد المناسك ومشقة السير أن يجدوا في هذا اليوم نَفَساً يلتقطون فيه أرواحهم، ويملأون فيه قلوبهم بالامتنان.
بين يوم عرفة ويوم القرّ.. تتمة لا انفصال
كثير من المسلمين يعرفون يوم عرفة معرفةً عميقة، ويحفظون فضله، ويصومونه بإيمان راسخ، غير أن يوم القرّ يمرّ على كثيرين مروراً خفيفاً لا يليق بمكانته. والحقيقة أن الأيام العشرة من ذي الحجة كالسورة الواحدة؛ لا يُفهم فصلٌ منها في معزل عن سياقها، ويوم القرّ في هذا السياق هو اليوم الذي يجمع ما تفرّق من بركات، ويختم ما بدأه يوم عرفة من عتق ومغفرة.
والثابت في الصحيح أن يوم عيد النحر يُعدّ أعظم الأيام عند الله في السنة كلها، وما يعقبه من أيام التشريق ومنها يوم القرّ هو امتداد لهذه المكانة وتكريس لها. فأيام التشريق الثلاثة التي يأتي في مقدمتها يوم القرّ قد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أيام أكل وشرب وذكر الله، وفي هذا الجمع بين المتعة المباحة والذكر المستديم دلالةٌ بالغة على أن الإسلام لا يُقيم حاجزاً بين إنسانية الإنسان وروحانيته، بل يسقيهما من نبع واحد.
فضل الذكر في هذا اليوم وما يتعلق به من شعائر
من أبرز ما يميّز يوم القرّ وأخواته من أيام التشريق أنها الأيام التي شرع فيها ذكر التكبير المقيّد في أعقاب الصلوات المفروضة، ذلك التكبير الذي يملأ المساجد وتتردّد أصداؤه في الأزقة والبيوت، فيشعر المسلم أينما كان بأنه شريك في احتفالية الروح الكبرى التي تموج بها الأمة من أقصاها إلى أقصاها. وقد كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام التشريق يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما، في مشهد يحكي كيف كان الإيمان حياةً يومية لا طقساً مغلقاً.
وفي يوم القرّ تحديداً يُقبل الحجاج على رمي جمرة العقبة وسواها في نظام من الخشوع والاتباع، وفي هذا الرمي تذكيرٌ بالمعركة الأزلية بين الإيمان والوسواس، معركة يخوضها كل إنسان في يومه وليلته، فكأن في رمي الجمرات رمزاً يجدّد العهد على مقاومة كل ما يُبعد النفس عن الله. والإكثار من الذكر في هذه الأيام ليس مجرد توصية عابرة، بل هو أمر قرآني صريح في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، وأيام التشريق هي تلك المعدودات عند جمهور المفسرين.
يوم القرّ ودلالته التربوية في حياة المسلم
ربما يكون أعمق ما يمنحنا إياه يوم القرّ هو درس الاستقرار الداخلي في زمن الاضطراب. فالحاج بعد يوم عرفة ويوم النحر وما حملاه من انكسار ودعاء وعبرة، يصل إلى يوم القرّ محتاجاً إلى الترسّخ لا التوقف، إلى المداومة لا الانقطاع. وهنا يكمن جوهر الرسالة التربوية لهذا اليوم: أن العبادة ليست قمماً متفرقة تُصعَد ثم يُهبط منها، بل هي سهل ممتد تسير فيه النفس بخطى ثابتة، وكل خطوة فيه لها وزنها وقيمتها عند الله.
وهذا المعنى يتجاوز الحاج إلى كل مسلم يستقبل هذا اليوم في بيته أو عمله؛ فيوم القرّ دعوة صامتة للتأمل في ما مضى من أيام الموسم، وللسؤال: هل وجدنا في هذه الأيام المباركة ما كنا نبحث عنه من صفاء وتوبة وتجدد؟ وهل نحن على استعداد للمضي في هذا الطريق حين تنتهي الأجواء الاستثنائية ويعود الحياة إلى مجراها المعتاد؟ إن روح يوم القرّ تجيب: نعم، القرار الحقيقي ليس في الأماكن بل في القلوب، وهو لمن أراده في كل زمان ومكان.
- كلمات مفتاحية | أيام التشريق, الحادي عشر من ذي الحجة, يوم القر



