يوم التروية..بداية رحلة القلوب إلى حضرة علام الغيوب

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
إذا كان الناس يقفون طويلًا عند يوم عرفة لما فيه من الفضل العظيم والمشهد الجليل، فإن يوم التروية يظل بوابة هذا المشهد الكبير، والعتبة التي يعبر منها الحاج نحو أعظم أيام العمر وأكرم الساعات....
يوم التروية..بداية رحلة القلوب إلى حضرة علام الغيوب

يوم التروية..بداية رحلة القلوب إلى حضرة علام الغيوب

أيام الحج رحلة أرواح تتخفف من أثقال الأرض لتصعد في مدارج القرب إلى الله. وإذا كان الناس يقفون طويلًا عند يوم عرفة لما فيه من الفضل العظيم والمشهد الجليل، فإن يوم التروية يظل بوابة هذا المشهد الكبير، والعتبة التي يعبر منها الحاج نحو أعظم أيام العمر وأكرم الساعات. ففي اليوم الثامن من ذي الحجة تبدأ القلوب دخولها الفعلي إلى ميدان النفحات، ويبدأ المسافر إلى الله رحلة التهيؤ الروحي قبل الوقوف بين يدي مولاه في عرفات.

يوم التروية.. لماذا سُمِّي بهذا الاسم؟

يحمل هذا اليوم اسمًا تتداخل فيه الرواية بالتاريخ والمعنى بالحكمة. وقد ذكر العلماء أن يوم التروية سُمِّي بهذا الاسم لأن الحجاج كانوا قديمًا يتزوّدون فيه بالماء ويحملونه معهم إلى منى وعرفات، إذ لم تكن المياه متوافرة كما هي اليوم، فكانوا “يتروّون”؛ أي يحملون ما يكفيهم من الماء استعدادًا لما هو آتٍ.

وقيل أيضًا إن إبراهيم عليه السلام رأى في هذا اليوم الرؤيا المتعلقة بذبح ابنه، فصار يتروّى في أمرها؛ أي يتفكر فيها ويتأملها، حتى تيقن في اليوم التالي أن الأمر وحي من الله تعالى. وبين هذين المعنيين تبرز إشارة لطيفة؛ فكما يتزوّد الناس بالماء لحياة الأجساد، فإن الأرواح أيضًا تحتاج إلى زاد تتروّى به قبل خوض رحلتها الكبرى.

إن الإنسان في حياته كلها مسافر، وما أيام الدنيا إلا طريق طويل، ويوم التروية يذكّر المؤمن بحقيقة هذا السفر، وأن أعظم ما يحمله في طريقه ليس متاعًا ولا مالًا، بل قلبًا ممتلئًا بذكر الله.

يوم تتنفس فيه الأرواح عبير المواسم

في صباح يوم التروية يتجه الحجاج إلى منى اقتداءً بسنة النبي ﷺ، وهناك تبدأ مشاهد الإيمان في التشكل بصورة مهيبة؛ جموع مختلفة الألسنة والألوان والبلدان، لكنها تتجه إلى قبلة واحدة وغاية واحدة. تنخلع من النفوس ثياب الفوارق، وتسقط الألقاب والمناصب، فلا يبقى إلا العبد وربه.

ولئن كان الحاج يعيش هذه الأجواء في المشاعر المقدسة، فإن فضل المواسم لا يُحرم منه المقيمون في أوطانهم. فأيام العشر الأوائل من ذي الحجة كلها أيام عظيمة أقسم الله بها في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقد بيّن النبي ﷺ فضل العمل الصالح فيها فقال: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام”.

ومن هنا كان يوم التروية جزءًا من هذه الأيام المباركة، يمر على المسلمين حاملًا معه أبوابًا واسعة للطاعة؛ من ذكر واستغفار وصدقة وقراءة للقرآن وصلة للأرحام وإكثار من التكبير والتهليل.

التروية الحقيقية ليست للماء وحده

ثمة عطش آخر أشد من عطش الأجساد، عطش القلوب حين تبعد عن الله، وعطش الأرواح حين تزدحم الدنيا في جنباتها. لذلك تبدو كلمة “التروية” ذات معنى يتجاوز حدود الماء؛ فالقلب يحتاج إلى ما يرويه من الإيمان.

كم من إنسان يملك أسباب الراحة كلها لكنه يعيش جفافًا داخليًا لا يراه أحد؟ وكم من آخر أنهكته الحياة حتى أثقلته الهموم، فإذا فتح المصحف أو رفع يديه بالدعاء أو أكثر من ذكر الله شعر وكأنه وجد نبعًا باردًا في صحراء موحشة.

إن يوم التروية يحمل رسالة خفية لكل مسلم: تزوّد قبل أن تأتي لحظات العمر الحاسمة، واملأ قلبك بما ينفعك حين تضيق السبل. فالناس يتأهبون لأمور دنياهم استعدادًا لكل حدث مهم، أما الاستعداد للقاء الله فذلك أمر أولى وأعظم.

بين التروية وعرفة.. لحظة إعداد قبل المشهد الأعظم

من تأمل ترتيب المناسك أدرك أن الحكمة الإلهية لم تجعل الوقوف بعرفة يأتي فجأة، وإنما سبقه يوم كامل من التهيئة والتدرج النفسي والروحي. فالقلب البشري يحتاج إلى انتقال هادئ من ضجيج الحياة إلى سكينة المناجاة.

ولهذا يبدو يوم التروية كأنه مرحلة إعداد إيماني قبل الوصول إلى الذروة الكبرى في يوم عرفة؛ ففيه يستجمع الإنسان شتات نفسه، ويعيد ترتيب قلبه، ويراجع حساباته مع ربه، ويستحضر تقصيره وضعفه وحاجته الدائمة إلى رحمة الله.

ولعل من أجمل ما يمكن أن يصنعه المسلم في هذا اليوم أن يجعل لنفسه خلوة مع قلبه، يفتش فيها عن مواضع القسوة والجفاف، ويعيد وصل ما انقطع بينه وبين ربه. فبعض الرحلات لا تبدأ بالخطوات، وإنما تبدأ بالنيات، وبعض الطرق لا تُقطع بالأقدام، وإنما تُقطع بصدق التوجه إلى الله.

ذات صلة
عشر ذي الحجة.. موسم الصفاء
عشر ذي الحجة اختبار للهمة ومحك للإرادة وكاشف لمدى حضور القلب مع ربه؛ فمن غنم هذه الأيام بالعمل الصالح...
المزيد »
شوال.. موسم الفرح بعد الصبر وميدان الثبات بعد العبادة
يأتي شوال عقب انقضاء رمضان المبارك، كإشراقة فجرٍ بعد ليلٍ طويل من الصوم والقيام، يحمل للمؤمنين نسمات...
المزيد »
رمضان.. حوار الأرض والسماء في محراب الصوم
يأتي رمضان كموكبٍ من نور، يحمل في طيّاته أعذب لحظات الروح، ويفتح للمؤمنين أبواب السماء. هو شهر القرآن...
المزيد »
شعبان.. شهر الاستعداد والصفاء قبل رمضان
يطلّ شهر شعبان على القلوب كنسمةٍ دافئة بين حُرمة رجب وبركة رمضان، يحمل للمؤمنين رسالة خفية: أن من أراد...
المزيد »
رجب.. من الأشهر الحرم وبوابة التهيؤ للكرم الإلهي
يُقبل شهر رجب على الأمة الإسلامية كضيفٍ مهيبٍ من مواكب الزمن، يحمل معه عبق السكينة وهيبة القداسة، فهو...
المزيد »
جمادى الآخرة.. شهر الصبر والنساء الصالحات
«جمادى الآخرة» – أو «جمادى الثانية» – سُمّي بذلك لأن العرب كانوا يسمّون الشهور في أزمانٍ توافق أحوال...
المزيد »
جمادى الأولى.. شهر الثبات والذكريات الخالدة
يحمل شهر جمادى الأولى في طيّاته ملامح البطولة واليقين، ويذكّر الأمة بأيام صنعت مجدها ورفعت رايتها بين...
المزيد »
ربيع الآخر.. بين رحيل العظماء وتحولات الدول
يطلُّ علينا شهر ربيع الثاني، أو ربيع الآخر كما سمّاه القدماء، كنسمة هادئة في فصول العام الهجري، يحمل...
المزيد »
ربيع الأنوار.. شهر البداية والنهاية 
شهر ربيع الأول فصل من فصول النور في ذاكرة الأمة الإسلامية، فقد ارتبط هذا الشهر بأحداث عظيمة تركت بصماتها...
المزيد »
شهر صفر: بركة تُستمد.. لا نحس يُعتقد
شهر صفر كسائر الشهور، فيه تُرفع الأعمال، وتُفتح أبواب الطاعات، وتُستجاب الدعوات. ومن الفضل فيه: أنه شهر...
المزيد »
ذو القعدة
شهر ذي القعدة، كونه من الأشهر الحرم، يحمل أهمية خاصة في تجنب الآثام. حيث يجب على المسلمين أن يكونوا واعين...
المزيد »
شهر رجب
سُمي رجب رجباً لأنه كان يرجب أي يعظم، يقال في اللغة "رَجَبَ"، فلانا أي خافه وهابه وعظمه، وسمي رجبًا لأن...
المزيد »
شهر الله المحرم
هو أحد الأشهر الفاضلة، ويستوجب التذكير بفضلها وما شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فيها من الطاعات
المزيد »
ليلة القدر
العبادة في ليلة القدر تُعتبر أفضل من العبادة في ألف شهر، مما يعني أن الصلاة والذكر والقراءة في هذه الليلة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك