![]()
شهر الله المحرَّم.. عام يفتتح بتعظم حرمات الله
محمد الشرشابي
شهر الله المحرَّم.. عام يفتتح بتعظم حرمات الله
عرفت العرب في جاهليّتها شهر المحرم شهراً حراماً، وجاء الإسلام فأقرَّ حرمته وأعلاها وأضاف إليها أبعاداً لم تكن في حساب الجاهليّة. وفي هذا الاحتفاظ بالاسم دلالةٌ لطيفة على أنّ الفطرة الإنسانيّة حين تُصيب فإنّ الشريعة لا تأتي لتمحوها بل لتُصحِّحها وتُكمِّلها، وأنّ ما صحّ من موروث الإنسانيّة في تعظيم الحرمات لا تأنف منه الشريعة بل ترفعه إلى مستوى أرقى من الوعي والالتزام.
وقد عدَّ القرآن الكريم المحرَّم في جملة الأشهر الحُرُم الأربعة التي قال فيها ربّنا: “إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حُرُم”، وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرَّم ورجب. فالمحرَّم إذن ليس حراماً بتقليدٍ قبليّ ولا بعرفٍ اجتماعيّ، بل هو حرامٌ بنصٍّ كونيّ سابق على خلق الإنسان وقبائله وعاداته، وهذا ما يمنحه ثقلاً وجوديّاً لا يملكه توقيتٌ بشريٌّ مهما تقادم وتعاظم.
وقد وصف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المحرَّم بأنّه “شهر الله”، وهو وصفٌ لا يُطلَق اعتباطاً، فإضافة الشهر إلى الله تعالى من باب التشريف والتخصيص، تماماً كما قيل “بيت الله” للكعبة و”ناقة الله” في قصّة ثمود. وفي هذه الإضافة إشارةٌ إلى أنّ لهذا الشهر من العناية الإلهيّة نصيباً يفوق غيره، وأنّ العبادة فيه تكتسب بُعداً إضافيّاً من الأثر والقبول.
عاشوراء.. يومٌ تتقاطع فيه ذاكرتان
لا يمكن الحديث عن المحرَّم دون أن يتصدَّر المشهدَ يومُ العاشر منه، ذلك اليوم الذي تتقاطع عنده ذاكرتان نبويّتان عظيمتان: ذاكرة موسى عليه السلام وذاكرة النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. فحين قدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم العاشر من المحرَّم، سألهم عن سبب ذلك فأخبروه أنّه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون، فقال صلّى الله عليه وسلّم: “نحن أحقّ بموسى منكم”، وأمر بصيامه وصامه.
وفي هذا الموقف النبويّ الشريف دروسٌ شتّى، أوّلها أنّ الإسلام يرى نفسه وارثَ رسالات الأنبياء جميعاً لا منقطعاً عنها، وأنّ فرحه بنجاة موسى فرحٌ حقيقيٌّ لا مجاملة، لأنّ موسى نبيٌّ من أنبياء الله يؤمن به المسلم كما يؤمن بمحمّد. وثانيها أنّ الشكر العمليّ على النعمة هو الصيام والتعبّد، لا الاحتفال الصاخب والإظهار الفارغ. وقد حرص النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تمييز صيام المسلمين عن صيام أهل الكتاب فأوصى بصيام يومٍ قبله أو بعده، وفي هذا من الفقه ما يُغني.
وللأسف فقد صار يوم عاشوراء في ذاكرة كثيرٍ من الناس اليوم مرتبطاً بحادثة الطفّ وشهادة الحسين رضي الله عنه وأرضاه، وهي حادثةٌ مؤلمةٌ بالغة الأثر في التاريخ الإسلاميّ، غير أنّ ارتباطها بعاشوراء ارتباطٌ تاريخيٌّ صادف فيه استشهادُ الحسين يومَ العاشر من المحرَّم عام واحدٍ وستّين للهجرة، لا أنّه حكمٌ شرعيٌّ أصيل. أمّا فضل عاشوراء وصيامه فسابقٌ على ذلك كلّه ومستقلٌّ عنه، وهو ثابتٌ بالسنّة النبويّة الصحيحة الصريحة التي تجعل صيامه تكفيراً للسنة الماضية.
أحداثٌ كبرى شهدها المحرَّم في التاريخ الإسلامي
وقف المحرَّم شاهداً على محطّاتٍ فارقة في مسيرة هذه الأمّة، محطّاتٍ متباينة في طبيعتها بين نصرٍ وهزيمة وتحوّلٍ ومصيبة، لكنّها جميعاً تؤكّد أنّ هذا الشهر لم يكن يوماً هامشيّاً في حركة التاريخ.
ففي المحرَّم من عام ثلاثةٍ وستّين للهجرة وقعت فاجعة الحرّة المدينيّة المؤلمة، حين أغار جيش يزيد بن معاوية على المدينة المنوَّرة في أحداثٍ أسفرت عن سقوط عددٍ من الصحابة والتابعين وانتهاك حرمة مدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وفي محرَّم عام اثنين وتسعين للهجرة فتح موسى بن نصير وطارق بن زياد أبواب الأندلس أمام الإسلام في فتحٍ غيَّر خارطة الحضارة الإنسانيّة وأضاف إلى الوجود الإسلاميّ رقعةً جغرافيّة وحضاريّة بقيت قرابة ثمانية قرون تُنتج العلم والفلسفة والعمارة والفنّ تحت راية الإسلام.
أمّا أشدّ ما شهده المحرَّم وطأةً على الوجدان الإسلاميّ فكان في السابع عشر منه عام ستّةٍ وخمسين وستّمائة للهجرة، حين دخل المغول بقيادة هولاكو بغدادَ عاصمةَ الخلافة العبّاسيّة فأحرقوها ونهبوها وقتلوا خليفتها المعتصم بالله، وأسقطوا في أسابيع معدودةٍ صرحاً حضاريّاً استغرق بناؤه قروناً متطاولة. وقد وصف المؤرِّخون تلك الأيّام السود بأنّها من أشدّ ما مرَّ على الإسلام والمسلمين في تاريخهم كلّه، وأنّ نهر دجلة جرى أيّاماً يحمل حبراً من الكتب الملقاة فيه قبل أن يعود إلى لون الماء. وكأنّ المحرَّم أراد في تلك السنة أن يختزن في رحمه أعظم المحن وأقساها حتّى يكون ما يُفتَح فيه بعد ذلك من الفرج على قدر ما أُغلق.
صيام المحرَّم.. عبادةٌ تستحقّ أن تُستعاد
لعلّ من أكثر ما يستوقف المتأمِّل في شأن المحرَّم أنّ فضله الثابت بالنصّ النبويّ الصريح لا يحظى من اهتمام المسلمين بما يستحقّه. فقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم”، وهو نصٌّ بالغ الوضوح يجعل المحرَّم في مرتبة الصيام الثانية بعد رمضان، غير أنّ الغالبيّة من المسلمين اليوم لا تُفرِّق بين المحرَّم وسواه من الشهور في ممارساتها اليوميّة، ولا تُخصِّص له من الاهتمام العباديّ ما يستحقّه.
وأمّا صيام يوم عاشوراء تحديداً فقد قال عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّه يُكفِّر السنة الماضية، وهو فضلٌ عظيمٌ لو استحضره المسلم لسارع إلى انتهاز هذه الفرصة السنويّة بكلّ ما يملك من همّةٍ وعزم. وإنّ المتأمِّل في حكمة هذا التشريع ليجد فيه ما يُقرِّر أنّ الله تعالى لم يجعل باب المغفرة والتكفير حكراً على رمضان وحده، بل بثَّه في ثنايا العام الهجريّ مواسمَ متعدِّدة يجد فيها المقصِّر والمذنب ملاذاً يعود منه إلى ربّه وفرصةً يستأنف فيها مسيرته من نقطة أنظف وصفحة أكثر بياضاً.
- كلمات مفتاحية | التشريف بالتخصيص, حرمات الله, شهر الله المحرم



