![]()
أيام التشريق.. شعائر تملأ الزمان والمكان
محمد الشرشابي
أيام التشريق.. شعائر تملأ الزمان والمكان
أيام التشريق ثلاثةٌ متتاليات، هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وقد اختلف العلماء في سبب تسميتها بهذا الاسم على أقوال، أرجحها أن العرب كانوا يُشرِّقون فيها لحوم الأضاحي، أي يُقدِّدونها في الشمس ويبسطونها ليحفظوها بعيداً عن الفساد، فلصق بها هذا الاسم وتوارثته الأجيال. وقيل كذلك أنها سُمِّيت بذلك لأن ذبح الأضاحي فيها لا يكون إلا بعد شروق الشمس، وكلا القولين يلتقيان عند معنى واحد: أن هذه الأيام مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمناسك النحر وما يتبعها من شعائر، فهي ليست أيام فراغ تعقب الحج، بل هي جزء أصيل من منظومة العبادة الكبرى.
وتبدأ هذه الأيام في أعقاب يوم النحر العظيم، يوم عيد الأضحى، فتكون كأنها موجة ثانية تأتي إثر الموجة الأولى لتُكمل ما بدأته ولا تتركه منقوصاً. فيوم عرفة بكاء وانكسار وسؤال، ويوم النحر ذبح وتضرع وفداء، أما أيام التشريق فهي الاستواء على الطريق والسير فيه بثبات وذكر وشكر، وكأن الله سبحانه أراد للموسم أن لا ينتهي بلحظة واحدة مهما بلغت من العلو، بل أن يتمدّد في الزمن ليعطي النفوس فرصتها الكاملة في الامتلاء.
بين النص القرآني والهدي النبوي.. مكانة لا تُنكر
جاءت مكانة أيام التشريق مُحكَمةً في نصوص الوحيين معاً، فكان لها من ذلك سند راسخ لا يتزعزع. فالقرآن الكريم أشار إليها في سياق الأمر بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الأيام المعدودات هي أيام التشريق بالذات، فجاء الأمر بصيغة التذكير لا التخيير، وجاء متصلاً بسياق الحج ومشاعره في دلالة واضحة على أن الذكر فيها ليس فضيلةً إضافية بل هو صميم العبادة وقلبها النابض.
وأما السنة النبوية فقد جاءت بما هو أجلى وأصرح، إذ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه وصف أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب وذكر الله، وفي هذا التثليث دلالة بليغة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام؛ فالأكل والشرب حقٌّ للجسد وإقرارٌ بالنعمة، والذكر حقٌّ للروح وردٌّ للجميل، وفي جمعهما معاً تأصيلٌ لمفهوم إسلامي عميق مفاده أن الدين لا يُعادي الدنيا ولا يُقيم بينهما جداراً، بل يجعل من تمتع الإنسان بنعم الله عبادةً حين يقترن بالشكر والذكر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام هذه الأيام الثلاثة، وفي النهي عن الصوم فيها إشارةٌ إلى أن الله يريد لعباده أن يتذوقوا نعمه بأجسادهم كما يتذوقونها بأرواحهم.
التكبير والرمي.. تسليم مطلق
من أجلى مظاهر تعظيم أيام التشريق أن شعيرة التكبير المقيّد تُستمر فيها وتتواصل في أعقاب كل صلاة مفروضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، فتكون أيام التشريق الثلاثة في صميم هذا الإطار الزمني المبارك. والتكبير المقيّد ليس مجرد صوت يُردَّد بعد الصلوات، بل هو إعلانٌ جماعي وفردي في آنٍ واحد بأن الله أكبر من كل شيء، أكبر من الخوف والطمع، أكبر من الضعف والانكسار، أكبر من الدنيا بزخرفها وفتنتها. وحين كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في هذه الأيام يجهران بالتكبير فيكبّر الناس بتكبيرهما، كانا يصنعان شيئاً أعمق من مجرد أداء شعيرة؛ كانا يُحيلان الفضاء العام كله إلى مسجد، ويجعلان من الحياة اليومية ذكراً متصلاً.
وإلى جانب التكبير يواصل الحجاج في هذه الأيام رمي الجمرات الثلاث، جمرة الصغرى والوسطى والكبرى، يرمونها في كل يوم من أيام التشريق بعد زوال الشمس، وهو مشهد ذو دلالة تتجاوز الحركة الجسدية إلى معناها الروحي العميق. فكل حصاة تُرمى هي رفضٌ مُجدَّد لكل ما يوسوس به الشيطان في النفس، وكل رمية هي تأكيدٌ على الاختيار الحر للإنسان حين يقف بين الهدى والضلال. وقد جُعل الرمي في هذه الأيام، لا في يوم واحد، ليكون تربيةً على المداومة والثبات، إذ ليس الإيمان موقفاً واحداً بل هو مواقف يومية تتراكم وتتحول إلى طريقة حياة.
درس أيام التشريق لمن لم يحج.. الفضل يتجاوز المكان
ربما يظن بعضهم أن أيام التشريق شأنٌ يخص الحجاج وحدهم، لارتباطها بالمناسك والمشاعر والبقعة المباركة، غير أن الحقيقة أوسع من ذلك وأشمل. فالمسلم في أي بقعة من الأرض مدعوٌّ إلى أن يشارك هذه الأيام بروحه وإن قعد عنها ببدنه، وذلك بالتكبير والذكر والإكثار من العبادة وصلة الأرحام وإطعام الطعام وإفشاء السلام، تلك الأعمال التي لا تحتاج إلى تذكرة سفر ولا إلى استطاعة مالية، بل تحتاج فقط إلى قلب يقظ يعرف قيمة الزمن الشريف.
وفي أيام التشريق دعوة خفية لكل من عاش أياماً في غفلة أن يستعيد الخيط الذي انقطع، وأن يعرف أن الله لم يُضيّق رحمته في مواسم بعينها وأغلقها دون سواها، بل فتح أبواباً متعددة لمن أراد أن يلج. وهذا المعنى يمنح أيام التشريق طابعاً إنسانياً كونياً لا يقتصر على الجغرافيا؛ فهي أيام يلتقي فيها العالم الإسلامي كله، الحاج في منى والمقيم في بيته، على نغمة واحدة هي التكبير والذكر والامتنان، كأن الأمة المتفرقة في أصقاع الأرض تجد في هذه الأيام صوتاً مشتركاً يذكّرها بأنها من نبع واحد وإلى وجهة واحدة.
- كلمات مفتاحية | أيام التشريق, التكبير, الرمي



