![]()
عشر ذي الحجة.. موسم الصفاء
ثمة في دوران السنة أيام تبدو وكأن الله سبحانه وتعالى أودع فيها من رحمته ما لم يودعه في سواها، وجعلها محطات للروح البشرية كي تنفض عنها غبار الغفلة وتستأنف مسيرها نحو الكمال.
وفي طليعة هذه المحطات تأتي عشر ذي الحجة، لا تنافسها في المكانة أيام أخرى ولا تُضاهيها في الفضل موسم سواها، فقد أقسم الله بها في كتابه العزيز فقال: “والفجر وليالٍ عشر”، كما أوضح النبي ﷺ مكانة هذه الأيام، فقال فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام”، يعني أيام العشر. فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.” وفي هذا الحديث من الدلالة ما يكفي لأن يجعل المؤمن يُقبل على هذه الأيام بكل ما يملك من طاقة وشوق وعزيمة.
ذاكرة الأنبياء في هذه الأيام
لا تستمد عشر ذي الحجة فضلها من فراغ، بل تستمده من تاريخ عريق وثّقته السماء قبل أن يوثقه التاريخ؛ فهذه الأيام شهدت أعظم مشاهد التوحيد في تاريخ البشرية، حين رفع إبراهيم الخليل عليه السلام السكين على ابنه إسماعيل امتثالاً لأمر الله، وكانت تلك اللحظة التي فيها بلغ الإيمان ذروته البشرية، واستحق بها إبراهيم لقب خليل الرحمن. وكان الجزاء على قدر التضحية: فداء عظيم من السماء، وذكر خالد في الأرض، وسنة جارية تتكرر على مر القرون في كل بيت يذبح فيه مسلم قربانه يوم العيد.
وفي هذه الأيام ذاتها يؤدي ملايين الحجاج فريضة الحج التي هي ركن من أركان الإسلام، ويقفون في عرفات في مشهد لا تُشبهه تجمعات البشر في شيء؛ مشهد يذوب فيه الغني مع الفقير، والأبيض مع الأسود، والعربي مع الأعجمي، كلهم في ثوب الإحرام الأبيض، كلهم يلبّون نداء واحداً، كلهم يقفون بين يدي الله المتفرد بالكبرياء والجلال. وقد قال النبي ﷺ في يوم عرفة خاصة: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة”، فهو يوم عتق ومغفرة وتجديد للعهد بين العبد وربه.
أبواب العبادة تتسع في موسم الخير
ما يميز عشر ذي الحجة أنها لا تخص الحجاج وحدهم، بل إن الله فتح أبوابها لكل مسلم في كل بقعة من بقاع الأرض، فجعل العبادة فيها مضاعفة الأجر موصولة الثمر. ولهذا كان السلف الصالح يستعدون لهذه الأيام كما يستعد المسافر لرحلة طويلة، يحملون فيها الزاد الروحي من صيام وذكر وقرآن وصلاة وصدقة وتكبير.
فالصيام فيها سنة مؤكدة، وخاصة يوم عرفة لغير الحاج الذي قال فيه النبي ﷺ إنه يكفر السنة الماضية والسنة القادمة. والذكر والتكبير والتهليل والتحميد من أبرز ما يُستحب في هذه الأيام، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يجهرون بالتكبير في الأسواق والمساجد والطرقات إحياءً لهذه الشعيرة وإعلاناً لعظمة الله. والتكبير المطلق يبدأ من أول يوم في ذي الحجة ويمتد حتى آخر أيام التشريق، ليبقى الجو العام محمّلاً بالروحانية والاتصال بالله.
ثم إن يوم النحر، العاشر من ذي الحجة، هو يوم الحج الأكبر ويوم العيد الكبير، الذي قال فيه النبي ﷺ إنه أعظم الأيام عند الله. وفيه تتجمع عبادات متعددة في يوم واحد لا يتكرر: ذبح الأضحية تقرباً إلى الله، وأداء صلاة العيد، والتكبير والتحميد، والتوسعة على الأهل والأحباب، وإدخال الفرحة على قلوب الفقراء والمحتاجين بما يُوزَّع من لحوم الأضاحي.
فرصة للتدارك والمراجعة
من الحكم العميقة في أن يجعل الله هذه الأيام العشر موسماً للتقرب والعبادة في نهاية العام الهجري تقريباً، فكأن الله يمنح عباده فرصة للتدارك والمراجعة قبل أن تطوى صفحة ويُستأنف مسير. وللروح التي أثقلتها الذنوب وأضناها البُعد عن الله في هذه الأيام موعد مع النفس تُسائلها: ماذا قدّمتَ في أيام يحب الله العمل فيها أكثر من سائر الأيام؟
لقد كان الإمام ابن القيم يصف هذه الأيام فيقول إن الله سبحانه ركّب في الفطرة الإنسانية شوقاً نحو المقدس، وجعل في دوران الزمن مناسبات تُحرك هذا الشوق وتُذكيه. فعشر ذي الحجة اختبار للهمة ومحك للإرادة وكاشف لمدى حضور القلب مع ربه؛ فمن غنم هذه الأيام بالعمل الصالح والتوبة الصادقة والذكر الدائم فقد حمل من الموسم زاداً يكفيه، ومن غفل عنها وهو يرى أبوابها مفتوحة فقد فاته من الخير ما لا يُعوَّض.



