بداية العام الهجري.. زمنٌ يعبر عن هوية أمة

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
اختيار أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه للهجرة النبويّة مبدأً للتأريخ الإسلامي جاء في عمقه اختياراً حضاريّاً يُعلن أنّ هذه الأمّة تؤرِّخ لنفسها بلحظة التحوّل لا بلحظة الميلاد، وبفعل الانطلاق لا بيوم...
بداية العام الهجري.. زمنٌ يعبر عن هوية أمة

بداية العام الهجري.. زمنٌ يعبر عن هوية أمة

اختيار أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه للهجرة النبويّة مبدأً للتأريخ الإسلامي جاء في عمقه اختياراً حضاريّاً يُعلن أنّ هذه الأمّة تؤرِّخ لنفسها بلحظة التحوّل لا بلحظة الميلاد، وبفعل الانطلاق لا بيوم الظهور. فالهجرة في وجدان المسلم ليست رحلةً من مكّة إلى المدينة بالمعنى الجغرافيّ الضيّق، بل هي اللحظة التي انتقلت فيها الدعوة من طور الصبر المحاصَر إلى طور البناء المتحرِّك، ومن حالة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن دار الفتنة إلى دار الهجرة والنصرة.

وحين تُمسك بالتقويم الهجريّ بين يديك، فأنك  تُمسك بفلسفة أمّة في نظرتها إلى الزمن. فالزمن في وعي الحضارة الإسلاميّة ليس خطّاً محايداً تتساقط عليه الأيّام كتساقط الأوراق، بل هو ميدانٌ للمسؤوليّة ووعاءٌ للتكليف ومقياسٌ للعمل الذي سيُسأل عنه المرء يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. ولهذا كان التقويم الهجريّ محمَّلاً بدلالاتٍ روحيّة وحضاريّة تُفارق ما تحمله التقاويم الأخرى، التي قد تكون أكثر دقّةً فلكيّة في بعض حساباتها لكنّها لا تحمل هذا البُعد الوجدانيّ الذي يربط صاحبه بتاريخه وهويّته ومصيره.

القمر والإيقاع المقدّس للزمن

للتقويم الهجريّ طابعٌ يُميِّزه عن كثيرٍ من التقاويم البشريّة، وهو ارتباطه بالقمر ارتباطاً أصيلاً، إذ يبدأ كلُّ شهرٍ بولادة الهلال الجديد ولا يبدأ بحساباتٍ ورقيّة تُحدِّد بدايته قبل رؤيته بأشهر. وهذا الارتباط ليس قصوراً تقنيّاً كما يتوهّم بعضهم، بل هو حكمةٌ ربّانيّة أشار إليها القرآن الكريم صراحةً حين قال: “يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحجّ”، فجعل الأهلّة مواقيت لا مجرّد إشاراتٍ فلكيّة.

وفي هذا الربط بالقمر حكمٌ جليلة، أبرزها أنّه يجعل المسلمين في كلّ بقاع الأرض يتشاركون رؤيةً كونيّة واحدة للزمن، فحين يرى المسلم الهلال يُهلّ به على المشارق والمغارب في وقتٍ متقارب، ويصوم في رمضان ويُفطر ويحجّ في وقتٍ واحد من تحكمه هذه الدورة القمريّة التي لا يملك أحدٌ تحريفها أو تحكيمها. كذلك فإنّ الشهور القمريّة الدائرة على مدار الفصول الأربعة تجعل العبادات تدور بدورها، فيصوم المسلم رمضان في الشتاء والصيف والربيع والخريف على مرّ السنين، وكأنّ الشريعة تُريد أن تُعلِّمه أنّ العبادة ليست مرتبطةً بالراحة والموسم بل هي واجبٌ كلّ الأوقات وفي كلّ الأحوال.

الشهور الهجريّة.. محطّاتٌ لها أرواح

لا تتساوى شهور العام الهجريّ في وجدان المسلم، فلكلٍّ منها روحٌ خاصّة ومذاقٌ مغاير، بل إنّ للتقويم الهجريّ إيقاعاً روحيّاً يجعل صاحبه يعيش عاماً بأكمله في حالة من التنوّع العباديّ والشعوريّ الذي لا تعرفه التقاويم التي لا تصل إلى هذا العمق.

فالمحرَّم يفتتح العام بذكرى نجاة موسى عليه السلام وشكرِ اللهِ عليها، ويستحثّ النفوس على التأمّل في معنى الخلاص والاستقبال. وربيع الأوّل يحمل نسيم الذكرى النبويّة العطرة، إذ وُلد فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهاجر في ابتدائه وانتقل إلى الرفيق الأعلى في ثنائه، فيجمع بين الميلاد والهجرة والوفاة في شهرٍ واحد كأنّ القدر أراد أن يجمع قصّة حياته الشريفة كاملةً في رقعةٍ زمنيّة واحدة. ثمّ رجبٌ وشعبان اللذان يمهِّدان بإيقاعهما الروحيّ لرمضان العظيم الذي يمثِّل ذروة العام الهجريّ وقمّته التي تتطلّع إليها النفوس المؤمنة من بعيد وتستعدّ له بكلّ ما تملك من طاقة التقوى والإقبال. ثمّ يأتي ذو الحجّة بحجِّه الذي يجمع ملايين البشر من كلّ فجٍّ عميق حول بيتٍ واحد ونداءٍ واحد، في مشهدٍ لا تعرف الإنسانيّة في تاريخها كلّه ما يُضاهيه في دلالته على وحدة الأمّة ووحدة وجهتها.

أزمة الانفصال عن الزمن الهجريّ

حين تنظر إلى الواقع الراهن لكثيرٍ من المسلمين في علاقتهم بتقويمهم الهجريّ، تجد مفارقةً لافتة تستوقف المتأمِّل. فالمسلم اليوم في الغالب يعيش حياتَه اليوميّة كاملةً بحسب التقويم الميلادي، يُحدِّد به مواعيده وعقوده وأعياده وإجازاته وذكرياته، في حين لا يلتقي بتقويمه الهجريّ إلّا في المناسبات الدينيّة الكبرى كرمضان والحجّ وبعض الأعياد. وكأنّ الزمن الهجريّ صار عنده ضيفاً يزوره في المناسبات لا رفيقاً يُصاحبه في مسيرة الحياة.

وهذا الانفصال ليس مسألةً شكليّة عابرة بل هو تعبيرٌ عمّا هو أعمق، إذ إنّ الزمن الذي تعيشه هو الزمن الذي تتشكَّل فيه ذاكرتك وهويّتك ورؤيتك للعالم. فحين تُؤرِّخ لأهمّ أحداث حياتك بالتقويم الميلادي وتتذكّر ذكرياتك بحساباته وتُخطِّط مستقبلك في إطاره، فأنت في حقيقة الأمر تسكن وجدانيّاً في زمنٍ ليس زمنك الحضاريّ. وليس المطلوب قطعاً التنكُّرُ للتقويم الميلادي أو الامتناع عن استخدامه في شؤون الحياة العمليّة التي تقتضيه، لكنّ المطلوب أن يستعيد التقويم الهجريّ مكانته في الوعي لا في الجدار فحسب، وأن يعود المسلم إلى الإحساس بإيقاع عامه الهجريّ شهراً بشهر وموسماً بموسم، لأنّ في ذلك الإحساس جزءاً من الهويّة الحضاريّة التي لا يكتمل الانتماء إليها إلّا به.

ذات صلة
ذي الحجة
تكبيرات عشر ذي الحجة من أهم التقاليد التي يشعر بها المسلمون بفرحة العيد هي تسبيحات خاصة يكبر فيها المسلمون...
المزيد »
أيام التشريق.. شعائر تملأ الزمان والمكان
أيام التشريق ثلاثةٌ متتاليات، هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وقد اختلف العلماء في...
المزيد »
يوم القَرّ.. سكن القلوب على عتبات الرحمة
يوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، اليوم الذي يعقب مباشرةً يوم النحر العظيم، ويحمل في طيّاته...
المزيد »
عيد الأضحى.. فرحة الإيمان والتضحية والطاعة
يأتي عيد الأضحى بعد أعظم أيام الدنيا وأشرفها؛ أيام العشر من ذي الحجة، وبعد وقوف الحجيج على صعيد عرفات،...
المزيد »
عرفة.. يوم العطايا والنفحات
عرفة يومٌ تتسع فيه أبواب السماء، وتنكسر فيه الحجب بين العبد وربه، ويشعر المؤمن أن الكون كله قد تحول إلى...
المزيد »
يوم التروية..بداية رحلة القلوب إلى حضرة علام الغيوب
إذا كان الناس يقفون طويلًا عند يوم عرفة لما فيه من الفضل العظيم والمشهد الجليل، فإن يوم التروية يظل بوابة...
المزيد »
عشر ذي الحجة.. موسم الصفاء
عشر ذي الحجة اختبار للهمة ومحك للإرادة وكاشف لمدى حضور القلب مع ربه؛ فمن غنم هذه الأيام بالعمل الصالح...
المزيد »
شوال.. موسم الفرح بعد الصبر وميدان الثبات بعد العبادة
يأتي شوال عقب انقضاء رمضان المبارك، كإشراقة فجرٍ بعد ليلٍ طويل من الصوم والقيام، يحمل للمؤمنين نسمات...
المزيد »
رمضان.. حوار الأرض والسماء في محراب الصوم
يأتي رمضان كموكبٍ من نور، يحمل في طيّاته أعذب لحظات الروح، ويفتح للمؤمنين أبواب السماء. هو شهر القرآن...
المزيد »
شعبان.. شهر الاستعداد والصفاء قبل رمضان
يطلّ شهر شعبان على القلوب كنسمةٍ دافئة بين حُرمة رجب وبركة رمضان، يحمل للمؤمنين رسالة خفية: أن من أراد...
المزيد »
رجب.. من الأشهر الحرم وبوابة التهيؤ للكرم الإلهي
يُقبل شهر رجب على الأمة الإسلامية كضيفٍ مهيبٍ من مواكب الزمن، يحمل معه عبق السكينة وهيبة القداسة، فهو...
المزيد »
جمادى الآخرة.. شهر الصبر والنساء الصالحات
«جمادى الآخرة» – أو «جمادى الثانية» – سُمّي بذلك لأن العرب كانوا يسمّون الشهور في أزمانٍ توافق أحوال...
المزيد »
جمادى الأولى.. شهر الثبات والذكريات الخالدة
يحمل شهر جمادى الأولى في طيّاته ملامح البطولة واليقين، ويذكّر الأمة بأيام صنعت مجدها ورفعت رايتها بين...
المزيد »
ربيع الآخر.. بين رحيل العظماء وتحولات الدول
يطلُّ علينا شهر ربيع الثاني، أو ربيع الآخر كما سمّاه القدماء، كنسمة هادئة في فصول العام الهجري، يحمل...
المزيد »
ربيع الأنوار.. شهر البداية والنهاية 
شهر ربيع الأول فصل من فصول النور في ذاكرة الأمة الإسلامية، فقد ارتبط هذا الشهر بأحداث عظيمة تركت بصماتها...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك