![]()
عاشوراء.. يومٌ تتجلّى فيه معاني النجاة والشكر وتجديد العهد مع الله
محمد الشرشابي
عاشوراء.. يومٌ تتجلّى فيه معاني النجاة والشكر وتجديد العهد مع الله
يطلّ يوم عاشوراء على المسلمين كل عام حاملاً معه نفحاتٍ إيمانية خاصة، فهو محطةٌ روحية تتجدد فيها معاني العبودية والشكر والافتقار إلى الله تعالى. وقد احتل هذا اليوم مكانةً مميزة في الوجدان الإسلامي منذ فجر الدعوة، إذ ارتبط بذكرى عظيمة من ذكريات الإيمان، وبسنة نبوية كريمة تدعو إلى الصيام والتقرب إلى الله، وتفتح أمام المؤمنين أبواباً واسعة من الأجر والمغفرة.
يوم ارتبط بسنن الأنبياء
حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن سبب صيامهم، فأخبروه أن الله نجّى فيه نبيَّه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله تعالى. عندها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين أولى بموسى عليه السلام، فصامه وأمر بصيامه.
ومن هنا تتجلى إحدى الحقائق الكبرى في الإسلام؛ وهي أن رسالة الأنبياء جميعاً تنبع من مشكاة واحدة، وأن المؤمن حين يصوم عاشوراء لا يستحضر حادثة تاريخية فحسب، بل يستحضر موكب الإيمان الممتد عبر القرون، ذلك الموكب الذي سار فيه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى عبادة الله وحده وإقامة الحق والعدل في الأرض.
إن ذكرى نجاة موسى عليه السلام من طغيان فرعون تذكّر المؤمن بأن عاقبة الصبر النصر، وأن الظلم مهما طال أمده فإن له نهاية، وأن قدرة الله فوق كل قوة، وسلطانه أعلى من كل سلطان.
فضل الصيام ومغفرة الذنوب
جاءت النصوص النبوية مؤكدة فضل هذا اليوم العظيم، ومن أشهرها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله». وهو فضل جليل يدل على سعة رحمة الله بعباده، إذ يجعل من يوم واحد من الصيام سبباً لمغفرة ذنوب عام كامل من الصغائر.
ولا يقف الأمر عند حدود الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد إلى تهذيب النفس وتزكيتها، فالصيام مدرسة تربوية يتعلم فيها المسلم الصبر والانضباط ومراقبة الله. ولذلك فإن اغتنام عاشوراء لا يكون بالصيام وحده، وإنما يكون أيضاً بالإكثار من الذكر والدعاء وقراءة القرآن ومحاسبة النفس وتجديد التوبة.
وقد كان السلف الصالح يحرصون على استقبال هذا اليوم بقلوب مهيأة للطاعة، مدركين أن المواسم الإيمانية ليست مجرد مناسبات زمنية، وإنما هي فرص ربانية لإصلاح ما فسد من القلوب، وتقوية الصلة بالله عز وجل.
عاشوراء ومعنى الشكر العملي
من أجمل الدروس التي يحملها يوم عاشوراء أن الشكر الحقيقي ليس مجرد كلمات تُقال، وإنما عبادة تُمارس وسلوك يُترجم في واقع الحياة. فموسى عليه السلام صام شكراً لله على نعمة النجاة، والنبي صلى الله عليه وسلم صام اقتداءً به وامتثالاً لأمر ربه.
وهكذا يتعلم المسلم أن النعم لا تُصان إلا بالشكر، وأن أفضل صور الشكر هي الطاعة والامتثال. فكم من نعم تحيط بالإنسان في دينه وصحته وأمنه وأهله وهو لا يكاد يلتفت إليها إلا إذا فقدها. ويأتي عاشوراء ليوقظ في النفس هذا الشعور العميق بالامتنان لله تعالى، وليجعل المؤمن أكثر إدراكاً لما يغمره من فضل الله ورحمته.
إن التأمل في قصة النجاة التي ارتبط بها هذا اليوم يغرس في القلب اليقين بأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن الله يدبّر لعباده المؤمنين من أسباب الخير ما قد لا يخطر لهم على بال، وأن الأزمات مهما اشتدت لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى اليأس أو القنوط.
مخالفة أهل الكتاب وإحياء روح الاتباع
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد في آخر حياته أن يضم إلى عاشوراء يوماً قبله أو يوماً بعده، تحقيقاً لمبدأ مخالفة أهل الكتاب وتمييز الشخصية الإسلامية في عباداتها وشعائرها. ولذلك استحب العلماء صيام التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، ليجتمع للمسلم فضل الصيام مع تحقيق السنة.
وهذا التوجيه النبوي يكشف جانباً مهماً من جوانب التربية الإسلامية؛ فالإسلام لا يريد من أتباعه مجرد أداء العبادات بصورة شكلية، بل يريد منهم أن يكونوا واعين بمعاني الاتباع والاقتداء والالتزام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في صغير الأمور وكبيرها.
ومع إطلالة عاشوراء من كل عام تتجدد هذه المعاني في نفوس المؤمنين؛ معاني الشكر بعد النعمة، والصبر عند الشدة، واليقين بوعد الله، والاقتداء بالأنبياء، والحرص على اغتنام مواسم الخير. ولذلك ظل هذا اليوم عبر القرون أحد الأيام المباركة التي ينتظرها المسلمون بشوق، لما يحمله من نفحات الرحمة، وما يفتحه من أبواب الأجر، وما يبعثه في القلوب من أمل متجدد بأن رحمة الله أقرب إلى عباده مما يظنون.
- كلمات مفتاحية | تحقيق السنة, عاشوراء, مغفرة الذنوب



