فرويد والمادية النفسية.. حين اختُزل الإنسان في شهوة

ما من فكرٍ أحدث زلزلةً في الوعي الإنساني الحديث كفكر سيغموند فرويد، الذي رفع راية التحليل النفسي، ثم تجاوزها إلى فلسفةٍ كاملةٍ للحياة تُنكر الروح وتُقدّس الغريزة. لقد جعل فرويد من الإنسان كائنًا بيولوجيًّا أسير...
فرويد والمادية النفسية.. حين اختُزل الإنسان في شهوة

فرويد والمادية النفسية.. حين اختُزل الإنسان في شهوة

ما من فكرٍ أحدث زلزلةً في الوعي الإنساني الحديث كفكر سيغموند فرويد، الذي رفع راية التحليل النفسي، ثم تجاوزها إلى فلسفةٍ كاملةٍ للحياة تُنكر الروح وتُقدّس الغريزة. لقد جعل فرويد من الإنسان كائنًا بيولوجيًّا أسير الدافع الجنسي، وسعى إلى تفسير الدين، والفن، والحضارة نفسها من زاوية الغريزة المكبوتة، لا من زاوية الإيمان أو القيم.

جوهر الفكر الفرويدي

ينطلق فرويد من فرضيةٍ ماديةٍ خالصة، فالعقل عنده ليس إلا نتاجًا لتفاعلاتٍ عصبيةٍ في الدماغ، والنفس ليست سوى ميدانٍ لصراعٍ بين ثلاث قوى:
الهو، وهو مستودع الغرائز والدوافع البدائية،
والأنا، التي تمثل الوعي بالواقع،
والأنا العليا، التي تُجسّد الضمير والمعايير الاجتماعية.
وفي فلسفته، تكون حياة الإنسان كلها صراعًا بين الرغبة والكبح، بين الغريزة والسلطة، وينشأ الاضطراب النفسي من كبت الرغبة لا من فساد الروح أو ضعف الإيمان.

اختزال الإنسان في الغريزة

أخطر ما في فكر فرويد أنه نزع عن الإنسان سموّه الروحي، فحوّله إلى كائنٍ تحكمه اللذة ويقوده اللاوعي. فالعاطفة، والضمير، والإيمان، والخيال، كلها عنده تجلّيات للغريزة الجنسية في صورٍ رمزيةٍ مختلفة.
بل إن الدين نفسه – في نظره – وهمٌ نشأ من حاجة الإنسان إلى سلطةٍ أبويةٍ تحميه، أي أنه “عصاب جماعي” يعبّر عن الكبت الجمعي. وهكذا أسقط فرويد القداسة عن الوحي، واستبدلها بسلطة الغريزة.

النقد العقلي والإيماني لفكر فرويد

يُخطئ فرويد من حيث أراد أن يكون علميًّا، لأنه فسّر الكل بالجزء، وأغفل البُعد الأسمى في الكائن الإنساني. فليس في العلم ما يثبت أن الدوافع الجنسية هي المحرّك الوحيد للسلوك، بل أثبتت دراساتٌ لاحقة أن دوافع الإيثار، والإبداع، والضمير الأخلاقي، فطريةٌ كذلك.
كما أن تفسير الدين بالغريزة هو تعسّفٌ فلسفيٌّ لا دليل عليه، لأن الإيمان ظاهرةٌ روحيةٌ تتجاوز حدود النفس المادية، وتعبّر عن توق الإنسان إلى الكمال الإلهي لا عن عُقده النفسية.

أما من منظور الإسلام، فإن الإنسان مكوَّنٌ من جسدٍ وروحٍ وعقلٍ، وكلٌّ منها له دوره وميدانه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾، فالروح هي سرّ الكرامة الإلهية التي تُميز الإنسان عن سائر الكائنات. والمشكلة ليست في وجود الغرائز، بل في انحراف ميزانها حين يُلغى الوازع الديني.
فالغريزة في الإسلام ليست شرًّا يُقمع، بل طاقةٌ تُهذّب، ووسيلةٌ لبقاء النوع، يضبطها الشرع لتكون عبادةً لا عبثًا.

أثر الفكر الفرويدي في الحضارة المعاصرة

لقد تركت المادية الفرويدية أثرًا بالغًا في الثقافة الغربية؛ إذ أسست لثورةٍ أخلاقيةٍ تُبرر كل انحرافٍ باسم “التحرر من الكبت”، فانهارت الحدود بين الفضيلة والرذيلة، وتحول الأدب والفن إلى أداةٍ لتطبيع الغرائز.
وها هو العالم اليوم يجني ثمار هذا الانفلات: أسَرٌ مفككة، وأجيالٌ مضطربة، وإنسانٌ يبحث عن الطمأنينة في وحل الشهوة فلا يجدها.

الإسلام والإنسان الكامل

جاء الإسلام ليعيد للإنسان توازنه بين الغريزة والروح، بين الحرية والمسؤولية. فهو لا يُنكر دوافع الجسد، لكنه يربطها بالنية والغاية. وفيه تُصبح اللذة طريقًا إلى العبادة، والزواج حفظًا للنسل، والكفّ عن المحرمات تزكيةً للنفس.
وهكذا يعلو الإنسان حين يسمو بغرائزه، لا حين يُسخّر وعيه لخدمتها. فالفكر الفرويدي نزل بالإنسان إلى الحيوانية، بينما رفعه الإسلام إلى مقام الخلافة في الأرض.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك