حين يتحدث القرآن عن إعجازه

التحدي الخالد بين الوحي والبشر

القرآن لم يكتفِ بأن يُعجز الخلق بفصاحته، بل وجّه إليهم خطاب التحدي، وكشف عن جوهر الإعجاز، مبيّنًا أن هذا الكلام ليس من صنع بشر، ولا يطيقه إلا من عنده علم الغيب وقدرة الخلق....
" لَا فِيهَا غَوْلٌ".. خمر الجنة لذة بلا ألم

حين يتحدث القرآن عن إعجازه

التحدي الخالد بين الوحي والبشر

القرآن لم يكتفِ بأن يُعجز الخلق بفصاحته، بل وجّه إليهم خطاب التحدي، وكشف عن جوهر الإعجاز، مبيّنًا أن هذا الكلام ليس من صنع بشر، ولا يطيقه إلا من عنده علم الغيب وقدرة الخلق.

الإعجاز المعلن في التحدي القرآني

لقد أعلن القرآن تحدّيه للبشر صراحة، في آيات كثيرة، تدعو الإنس والجن إلى أن يأتوا بمثله إن استطاعوا، قال تعالى:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].
إنه إعلان رباني بأن هذا الكتاب فوق الطاقة البشرية في نظمه ومعناه وعمقه، وأن الإعجاز فيه ليس مقصورًا على اللفظ والبيان، بل ممتد إلى بنية الرسالة ذاتها، وإلى ما تحمله من حقائق وهدايات وتشريعات.

ثم خفف التحدي درجة بعد أخرى، فقال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: 38]،
وفي موضع آخر:
﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13].
ومع كل درجة من درجات التحدي، يتجلى عجز الإنسان عن مجاراة القرآن في دقته وتركيبه وإيقاعه وهدايته، حتى صار السكوت عن التحدي نفسه حجة باقية إلى يوم القيامة.

إشارات القرآن إلى وجوه إعجازه

القرآن نفسه يلفت أنظار قارئه إلى وجوه إعجازه، فيدعو إلى التدبر والتفكر في نظمه وحقائقه، فيقول تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
إنها دعوة عقلية ومنهجية في آنٍ واحد، تُظهر أن الإعجاز ليس مجرد بلاغة لغوية، بل إحكام رباني في المعاني والمقاصد والحقائق، لا يتناقض فيها لفظ ولا يضطرب فيها حكم، مهما اختلفت أزمان القراءة والظروف.

كما أشار القرآن إلى إعجازه في الهداية والإصلاح، فقال تعالى:
﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]،
فالإعجاز هنا في قدرته على توجيه الإنسان وبناء المجتمع القويم، وفي إحيائه للضمير الإنساني الذي تعجز عنه القوانين الأرضية.

الحديث القرآني عن الإعجاز البياني

من أبهى صور حديث القرآن عن إعجازه، إشاراته إلى أثر بيانه في النفوس، وكيف كان العرب — وهم أرباب الفصاحة — يعترفون بعجزهم أمام آياته.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]،
فمجرد استماعهم إليه كان يُربك قلوبهم، ويُسقط عنهم القدرة على المواجهة بالحجة.
ولذلك وصف الله آياته بأنها “مثاني” تُعيد المعنى وتجدده في سياقات مختلفة، فيزداد تأثيرها في النفس عمقًا وإشراقًا.

الإعجاز التشريعي والعلمي في الخطاب القرآني

كما تحدث القرآن عن إعجازه في التشريع والحقائق الكونية، مبينًا أنه وحي من لدن عليم خبير، قال تعالى:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
فالذي أنشأ الإنسان هو الذي شرع له منهج الحياة الأنسب له، فجمع بين العلم والخبرة، بين الهداية والدقة.
وفي مجال الإشارات العلمية، يذكّر القرآن القارئ بآيات الخلق والكون، قائلاً:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
بهذا يعلن القرآن عن نفسه أنه كتاب آيات، تُقرأ في اللفظ كما تُشاهد في الوجود، وأن إعجازه يمتد من الحروف إلى حركة الكواكب والأنفس.

القرآن نفسه معجزة متجددة

من أروع ما قاله العلماء: إن القرآن هو المعجزة الوحيدة التي تبقى متجددة مع الزمان، لأن معجزات الأنبياء السابقين مضت بانقضاء زمنهم، أما القرآن فإعجازه مستمر في كل عصر، يتجلى في كل جيل بصورة جديدة:
ففي زمن البلاغة تجلى بيانه،
وفي زمن التشريع ظهرت حكمته،
وفي زمن العلم تتجلى حقائقه الكونية.
وهكذا تحدث القرآن عن إعجازه، ليبقى شاهدًا على أنه كلام الله الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
عبد الله بن المبارك..
عبد الله بن المبارك من أعظم علماء المسلمين في عصر تابعي التابعين، وقد جمع بين العلم والعبادة والجهاد...
المزيد »
المقاصد الخمس الكبرى..
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك...
المزيد »
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة
دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة...
المزيد »
أورنك زيب..
كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد...
المزيد »
التواضع.. خلق عظيم يرفع مكانة المسلم بين الناس
التواضع من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو خلق نبيل يعكس نقاء القلب وصفاء النفس، ويجعل الإنسان...
المزيد »
الاجتهاد أساس استنباط الأحكام ومواكبة قضايا الحياة المعاصرة
الاجتهاد من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهو الوسيلة التي يتمكن بها العلماء من استنباط...
المزيد »
ضرار بن الأزور.. الفارس الذي كان يقتحم الموت ضاحكًا
كان ضرار بن الأزور واحدًا من الأسماء التي صنعت من البطولة سيرةً تتجاوز حدود التاريخ، كما كان من أولئك...
المزيد »
توجيه الخطاب الديني لقضايا الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله، وإذا تفككت ضعفت الروابط...
المزيد »
ذكاء الداعية وفطنته أساس نجاحه في تبليغ رسالته 
الدعوة إلى الله من أعظم المهام التي يقوم بها الإنسان، فهي رسالة الأنبياء والمرسلين، ووسيلة هداية الناس...
المزيد »
حقيقة انتشار الإسلام بالحكمة والعدل
شبهة انتشار الإسلام بالسيف من أكثر الشبهات التي يرددها بعض المشككين في الدين الإسلامي، وقد ظهرت هذه الفكرة...
المزيد »
الوجودية عند جان بول سارتر وأثرها في الفكر الإنساني المعاصر
كان سارتر يرى أن الإنسان يولد بلا غاية محددة أو طبيعة ثابتة، ثم يقوم بنفسه بصنع شخصيته وتحديد أهدافه...
المزيد »
الصدقُ العاطفي في الخطبة..
في كل جمعة، يصعد الخطيب المنبر وأمامه حشدٌ من الوجوه المتباينة في أحوالها وأعمارها وما تحمله من هموم...
المزيد »
العِلمُ شرطُ الشهادة..
ثمة آيةٌ في كتاب الله تعالى تقف أمامها متأملاً فتُدهشك في كل مرة بعمقها وسموّ دلالتها، وهي قوله جل وعلا...
المزيد »
آراء العلماء المعاصرين
يرى جمهور كبير من العلماء المعاصرين جواز إخراج الزكاة وتحويلها عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات البنكية،...
المزيد »
الطلاق السني والبدعي عند الإمام أبي حنيفة
الطلاق من الأحكام الشرعية التي نظمها الإسلام بدقة؛ حفاظا على استقرار الأسرة وتقليل آثار الانفصال السلبية،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك